في عدائية بعض السلطة للجمهورية الإسلامية !(الشيخ محمد شقير)

بقلم الشيخ د.محمد شقير – الحوارنيوز
عندما يكون هناك مسؤول في دولة، ويريد أن يعبّر عن سياسة أوموقف ما من دولة أخرى، يجب أن ينبع ذلك من رؤية تستند إلى حسابات المصلحة الوطنية، هذا فضلاً عن السياسة التي يجب اعتمادها من قبل السلطة (الدولة) تجاه أي دولة أخرى، هذا عندما يكون لدينا سلطة تمتلك رؤية استراتيجية، واحترام للمصلحة الوطنية.
وعندما تواجه هذه الدولة عدواناً ما، وتهديدات خطيرة، فإنها تلجأ منطقياً وعقلانياً ووطنياً، إما إلى قواها الرسمية، أو إلى قواها الشعبية، أو تستعين بقوى أخرى صديقة لمساعدتها على صدّ العدوان -وقد تدمج بين ما تقدّم- وهو ما ينطبق على ما نواجهه من هذا العدوان الإجرامي الصهيوني على لبنان.
لكن من الواضح أن السلطة، تاريخياً، وفي بعض مسؤوليها الآن، لا تريد أيّاً مما سلف، فهي لا تريد أن يمتلك لبنان الرسمي القدرة على مواجهة العدوان، ولا تريد للقوى الشعبية (المقاومة) أن تملأ هذا الفراغ، ولا تريد للدول الصديقة حقّاً أن تساند لبنان في مواجهة العدوان الإسرائيلي، ليصبح الأمر أشدّ احتداماً، عندما نصل إلى المفاوضات، التي يراد لها بناء الواقع المستقبلي للبنان، تحصيلاً للمصلحة الوطنية، وردع العدوان، وحماية المواطن وأمنه وحقوقه.
فما حصل أخيراً من قبل بعض مسؤولي السلطة في لبنان، هو أمرٌ خارج عن أي عقلانية، أو منطق سيادي، أو معيارية المصلحة الوطنية… والسبب أن توازن القوى -وتحديداً القدرة العسكرية، والدعم الأميركي…- يميل لصالح الكيان الصهيوني، وأننا نحتاج، في مواجهة هذا الواقع، إلى توظيف جميع أوراق القوة لدينا، من الوحدة الوطنية، إلى المقاومة كعامل قوة ذاتي، إلى جميع الصداقات العربية والإقليمية، وإلى أيّ إسناد، سواءً كان سياسياً أم عسكرياً أم… لكن هذه السلطة أضرّت بالوحدة الوطنية، وتريد التضحية بالمقاومة، وترفض أهم أشكال الدعم للبنان، وهو الدعم العسكري والأمني والسياسي المتأتي من الجمهورية الإسلامية في إيران، رغم كونه الدعم الأقدر على إعادة التوازن لمصلحة لبنان، ومساعدته على أن تكون مخرجات المفاوضات (إنسحاب، أسرى، إيقاف العدوان، إعمار…) لمصلحة لبنان وحقوق شعبه، بل هي تبدي عدوانية تجاه إيران، أقل ما يقال فيها إنها تفتقد إلى اللياقة، والعقلانية، والرؤيه الوطنية؛ فلماذا هذه العدوانية؟ وما هي مبرراتها؟ أليست الجمهورية الإسلامية مَن يلقي بكلّ ثقله التفاوضي لتحصيل لبنان حقوقه، والحؤول دون التغوّل التفاوضي الإسرائيلي، المدعوم أميركياً؟ ألم يثبت أن الجمهورية الاسلامية كانت مستعدة أن تدخل الحرب مع الكيان، رغم مخاطرها، فيما لو استهدف بيروت والضاحية؟ فمَن مِن الدول لديه الاستعداد أن يصل في صداقته للبنان إلى هذا المدى؟ وما المانع أن يستفيد لبنان من مخرجات التفاوض الأمريكي الإيراني؟ وما المانع من القبول بأن يَفرض الإيراني -من خلال أوراق القوة التي يمتلكها- أكثر من مصلحة وطنية تخدم لبنان وحقوقه؟ وما المشكلة في أن تبادر إيران إلى مدّ مظلّتها الأمنية إلى لبنان، ومجمل مناطقه، لردع الإسرائيلي وعدوانه؟ إلا إذا كان الهدف، لدى هؤلاء المسؤولين، الاستفراد بلبنان، وإعطاء المجال للتوحّش الصهيوني، ومنح الإسرائيلي وآلة إجرامه وقتله الفرصة للضغط على المقاومة وبيئتها، وذلك لغاية في نفْس صهيون، وهي عبارة عن هدف مشترك يجمع الصهيوني مع هؤلاء المسؤولين، وهو القضاء على المقاومة ونزع سلاحها؛ ألا تدلّ سياسات هذه السلطة عليه؟ ألا تشير مخرجات المفاوضات المباشرة مع الإسرائيلي إليه؟ ألا يعني ما سلف أن هذه السلطة، قد أصبحت جزءاً من المؤامرة على لبنان وشعبه؟ ألا يعني هذا أن هؤلاء قد انساقوا -عن قصد أو غباء- إلى المخطط الصهيوني في تفحير لبنان من الداخل؟ ألا يعني هذا أن هؤلاء قد أصبحوا إلى جانب الإسرائيلي لتحقيق هدفه المركزي، وهو تجريد لبنان من أوراق القوة لديه (المقاومة)، كمقدمة للهيمنة عليه، وتحقيق مطامعه فيه، ولربما اقتطاع جزء من أرضه؟ وهو من أقبح وأقذر أنواع الاستثمار، عندما يصل مسؤولٌ ما في سلطة إلى الاستثمار في دماء شعبه وأوجاعه ومحنته، وهو ما يفتقد إلى الحدّ الأدنى من الحسّ الأخلاقي والإنساني، وليس فقط الوطني.
لقد أضحت هذه السلطة خطراً على الوطن، وأضحى استمرارها ضرراً بالمصلحة الوطنية، ولم تَعد مؤتمنة على القرار الوطني، بل والمصالح العليا للدولة، وعندما تصل سلطة ما إلى هذا الدرجة من اللامسؤولية الوطنية، فإن المنطق الوطني يقتضي تنحيتها.
وإن أردنا تحليل هذه العدائية، قد نجد خليطاً من عوامل وأسباب، منها الخلل في الرؤية، فمثلاً ينظر هؤلاء إلى الولايات المتحدة كصديق، مع كونها شريكاً في دماء اللبنانيين والعدوان عليهم، شراكةٌ بالسلاح الأميركي الذي نُقتل به، والمال الأميركي الذي يموّل آلة الإبادة والدمار، والدعم السياسي والدبلوماسي للإسرائيلي وأهدافه، وصولاً إلى سعيها إلى فتح مسار دبلوماسي في واشنطن، ليس حبّاً بلبنان -بعيداً عن سذاجة بعض الساسة ونرجسيّته- وإنما لكسب الإنجاز السياسي أنه من صنع سلاماً، وتظهيره كإنجاز دبلوماسي له، ولحرمان لبنان من مخرجات التفاوض الأمريكي الإيراني، ولتحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف الصهيونية من المفاوضات؛ أليس هذا ما أظهرته نتائج المفاوضات في واشنطن، ومخرجاتها؟ ثم يأتي من المسؤولين من يهيم غراماً بالأمريكي وصداقته! وهوعبارة عن خللٍ في وعي الذات، والآخر، والعلاقة بينهما، إذ من الواضح أن الأميركي في هذه المنطقة، له صديق واحد وهو مصالحه، وحليف واحد وهو الإسرائيلي؛ فأيّ مسؤولٍ هو هذا؟ وأيّ وعيٍ يتَملّكه؟ فهل العُطب في الطائفية وعنصريتها، التي تجعل المسؤول بعيداً عن آلام اللبنانيين وآمالهم؟ أم هي أيديولوجية هجينة، تصيب هؤلاء بالانفصام عن الواقع؟ أم هو استلاب في الوعي والإرادة والقرار، يورث البعض جنوحاً لاسترضاء الأميركي، ليثبت له أنه الأجدر بالمهمة (متلازمة الولد المطيع)؟ أم هو الوعي السيادي المنكوس؟ فلقد أضحى توظيف هؤلاء لمفاهيم الدولة والسيادة… لازمة ممجوجة إلى حد اللّعيان السياسي، بما تظهره من مستوى من النفاق السياسي ،الذي يُستقبح ناطقُه، ويَشين فاعلَه، لأنهم يمارسون أقبح انتقائية في السيادة، بل متاجرة بعفّتها، وهم يعلمون أنه لو كان من سيادة -صِدقاً- في صناعة السلطة، لَما وصلا إلى كرسي السلطنة، وامتطيا سنامها.
إن هذا الغضب الذي تبديه هذه السلطة من الجمهورية الإسلامية، لا يرتبط على الإطلاق بمنطق دولة، ولا بمصلحةٍ وطنية، ولا سيادة مُرتجاة، وإنما لأنها تُقفل عليهم باب الاستثمار الرخيص والخبيث في دماء اللبنانيين، فضلاً عن تقديم فروض الطاعة أمام الأميركي وغيره، والتوسّل إلى رضاه، وهو -بالمناسبة- لن يعود عليهم بأي نفع أو فائدة، لأن رضى الأميركي غاية لا تُدرك، فهم لديه ليسوا إلا ضَرعاً، يُستحلب ما درّت مَحالبُه، فإن جَفّ سقيُه، هُجِر كَما جَرِب الإبِل.
إنه ليس مطلوباً من هذه السلطة أن تعادي الولايات المتحدة، ولا المطلوب منها أن تمتنع عن مفاوضة الكيان، وليس مطلوباً منها أن تتحالف مع الجمهورية الإسلامية في إيران، بل المطلوب منها أن تعي أمريكا، وعقلها السياسي، وسياستها، كما هي، بعيداً عن الأوهام والأهواء، وأن تفاوض الكيان تحقيقاً للمصلحة الوطنية، واستناداً إلى جميع اوراق القوة لدى لبنان، وأن تخرج من هذا العداء الغبيّ مع إيران، الذي لن يخدم أحداً، ولن يعود عليهم بأي نفع أو فائدة.
وما أريد قوله، إنّ من يُعار السلطة، سريعاً ما يُخلّى بينه وبينها، وتبقى الوقائع الصلبة هي الأقدر على فرض نفسها؛ فالجمهورية الإسلامية في إيران صديقةٌ للبنان وشعبه ومقاومته، وهي التي تتعامل بكل صدقٍ وحرصٍ على لبنان ومصلحته، وإن كان من ورقةٍ في البيْن، فإنّ قوة الجمهورية الإسلامية هي ورقة لبنان الذهبية والرابحة، وهناك روابط قوية بين الشعبين اللبناني والإيراني، وعلى هذه السلطة أن تحترم هذه الروابط، وأن تبني عليها، وتُصلح ما أُفسدته منها، لأن في احترامها احترام للمصلحة الوطنية وللشعب اللبناني، أما من يريد أن يشتري رضا الأمريكي أو الصهيوني، فليفعل من جيبه، لا من مصلحة اللبنانيين ومستقبلهم.
أختم بواقعة من التاريخ، عندما اجتمع القوم لقتل الحسين(ع) وصحبه، وكان على رأس جيشهم رجلٌ يُدعى عمر بن سعد، وكان وَلِهاً بالسلطان، طَمِعاً بمُلك الريّ، وكان كل همّه رضا الأمير، عسى أن يوصله إلى مَطمَعه. وعندما أراد بدء القتال مع الحسين(ع)، رمى بسهمه إلى معسكره، وقال قولته المشهورة: “إشهدوا لي عند الأمير”، ليشتري بفعله رضاه؛ لكن الخيبة كانت في أن أميره لم يطل دهرُه، إلا وقد لقي حتفَه، فلم يجد في أمنيته إلا سراباً، يغشاه سراب، ثم ليلقى مصيرَه الذي كُتِب.
فكم مِن ابن سعدٍ لدينا، ديدنُه أن اشهدوا لي عند الأمير..كان، لكن للتاريخ حكمُه، وللوطن ضميرُه، فليختَر حاكموه كيف يُكتب حرفُهم، في سجّل الوطن وضميرِه.



