نظرة في اعتقاد المبالغات في الخطاب العاشورائي (الشيخ محمد شقير)

بقلم الشيخ د. محمد شقير- الحوارنيوز
في الوقت الذي نعتقد أن الخطاب الحسيني يجب أن يبنى على أسس ومعايير منهجية وعلمية تساعد على قيام ذلك الخطاب بجميع وظائفه، يمكن القول إن هذا الخطاب قد يكون لديه بعض من الثغرات أو الأخطاء أو الخلل… حيث ينبغي العمل بشكل دائم على تصحيح تلك الأخطاء والثغرات أو الخلل، بل والعمل على تجديد الخطاب وتطويره بشكل دائم.
ومن هنا يصبح النقد الموضوعي والمنهجي والهادف مدخلاً ضرورياً لتطوير الخطاب وتصحيحه حيث ينبغي أن يطال هذا النقد مختلف جوانب ذلك الخطاب وعناصره ولغته وأساليبه وبنيته…
وهنا نلحظ أن عملية النقد تطال فعلياً العديد من تلك القضايا والمسائل مورد الجدل. واحدة من تلك القضايا، دعوى المبالغات في الخطاب الحسيني؛ ليصبح طرح هذا السؤال أمراً مبرراً، أنه هل صحيح ما يقال عن مبالغات في الخطاب الحسيني، أم أنه توجد مبالغة، وعدم دقة علمية في هذه الدعوى؟.
في مقام الجواب ينبغي القول: إن ما يُنظر اليه على أنه مبالغات هو على أقسام:
1- هناك أمور تُدرج في بعض الخطاب من قبل بعضٍ قليلٍ جداً من القرّاء، أو الخطباء، أو الباحثين.. قد تكون غير صحيحة، أو تقوم على معطيات ضعيفة، أو مشكوك فيها.. وهذه الأمور عادة ما تصنّف في إطار المبالغة، أو الخطأ، أو…
2- توجد أمورٌ صحيحة، لكن ما يحصل هو محاولة عرض تلك الأمور بأساليب بيانية معتمدة، لكن قد يُفهم منها أنها تحمل شيئاً من المبالغة. حيث ينبغي الالتفات هنا من قبل المتلقّي الى أن الاساليب البيانية في اللغة العربية، قد تعطي هامشاً معقولاً في البيان لتحقيق مقاصد معينة، حيث إن اعتماد هذا الاسلوب أو ذاك من قبل الخطيب، قد لا يكون أمراً مستغرباً، طالما أنه يتم بشكل حكيم،ٍ ومدروسٍ، ووفق قواعد البيان، وشروطه.
3- يمكن أن تكون هناك أمورٌ صحيحة في نفسها، لكنها قد لا تحمل تلك الجدوائية من ذكرها وإدراجها في الخطاب. بمعنى أن ذكرها سوف يبقى –الى حدٍ بعيد- شأناً نظرياً محضاً، لا تترتب عليه أيٌ من مقاصد الخطاب وأهدافه التربوية، أو الثقافية، أو الاجتماعية. هنا ينبغي على الخطيب أن يتجنب ذكر تلك الأمور –مع كونها صحيحة-. والسبب أنها تفتقد الى تلك الجدوائية المنتظرة من الخطاب. إذ إن الخطاب الحسيني هو خطابٌ هادف. والخطاب الهادف يجب أن يكون خطاباً غنياً في جدوائيته، وقادراً على تحقيق مختلف غاياته التربوية، والثقافية، والأخلاقية، والدينية، والاجتماعية…؛ أما لو وجدنا أن معطىً معرفياً أو دينياً ما، يفتقد لتلك الجدوائية المنتظرة؛ فهنا ينبغي تجنب ذكر ذلك المعطى وإدراجه في الخطاب.
4- هناك أمورٌ صحيحة في نفسها، ولا شك في صحتها؛ ولكن من يتلقى الخطاب، قد لا يمتلك جميع المقدمات العلمية، أو الفكرية، أو الدينية… التي تساعد على طرح هذه الفكرة أو تلك أو التمهيد لها. فهنا ينظر المتلقي الى تلك الأفكار على أنها تحمل قدراً أو آخر من المبالغة. وسبب حكمه هذا هو افتقاره الى المقدمات العلمية اللازمة لتقبل تلك الفكرة.
هنا على الخطيب أن يكون على دراية تامة بمدى استعداد المتلقي – المستمع أو المشاهد- لتقبل هذه الأفكار، ليس فقط بلحاظ صحتها، وإنما بلحاظ الاستعداد الموجود لديه.
5- أيضاً توجد أمور صحيحة في نفسها. ولكن طرح هذه الامور، قد يترتب عليه العديد من المفاسد أو السلبيات، التي تفوق المصالح والإيجابيات المنتظرة، بغض النظر عن الاعتبارات والأسباب، التي تؤدي الى حصول تلك المفاسد والسلبيات، أنها اجتماعية، أو سياسية، أو ثقافية… وهذا ما يستلزم التوقف عن طرح مثل تلك الأمور – رغم صحتها- والسبب هو تلك المفاسد والسلبيات، التي تترتب عليها، وتفوِّقها على إيجابيات الطرح ومصالحه.
-خلاصة وتوصية: نعم، قد يكون هناك شيءٌ من المبالغة، ولو كان محدوداً جداً، لدى هذا القارئ أو ذاك، في هذا الخطاب أو ذاك؛ وهو ما يحتاج الى التصحيح، والعلاج. ولكن هناك أيضاً الكثير من الأمور، التي يُعتقد أنها تتضمن نوعاً من المبالغات، قد لا ينطبق عليها هذا التوصيف: إما لأنّ ما يظهر على أنه نوعٌ من المبالغة، إنما يعتمد نوعاً من الأساليب البيانية المشروع استخدامها بشكل مدروسٍ وصحيحٍ وعلمي؛ وإما لأنّ ما يُطرح قد يفتقر الى تلك الجدوائية أو تلك الفائدة التي تترتب عليه؛ أو لأنّ المتلقي قد يفتقر الى المقدمات العلمية اللازمة لتقبل تلك الفكرة وتحمّلها؛ أو لأن تلك الأفكار التي تُذكر، قد يترتب عليها جملة من المفاسد والسلبيات، التي تفوق مصالح ذكرها وإيجابياته؛ وعليه تراه يضع جميع ذلك في سلّةٍ واحدة، فينسب كل ذلك الى المبالغة، وهو ليس من المبالغة في شيء، وإنما هناك تصنيفٌ آخر لهذا النوع أو ذاك من الأخطاء، كأن يفتقد الجدوائية المطلوبة، أو مراعاة استعداد المتلقي، أو كأن لا تكون هناك درايةٌ كافية ببعضٍ من معاني المدرسة الحسينية وقيمها، أو ظروف الواقع وأولوياته، أو الوصل الصحيح والهادف ما بينهما. وهو ما يتطلب تقديم بعض التوصيات في هذا الشأن:
أولاً: ضرورة بناء وتشكيل الخطاب الحسيني بشكل هادفٍ وواعٍ ومنهجي.
ثانياً: العمل على تطوير الخطاب الحسيني بشكل دائم وفعّال، والاستفادة-ما أمكن- من النقد الحاصل في عملية التطوير تلك.
ثالثاً: أن ينتهج جميع المعنيين من نخبٍ، ومثقفين، وأكاديميين.. نهجاً هادفاً وموضوعياً في النقد، للمساهمة في تصحيح الخطاب وتطويره. وهي مسؤولية الجميع؛ دون الخروج عن الهدفية أو الموضوعية والمنهجية، أو الاستعجال في إطلاق النقد المتسرّع لهذا المعطى أو ذاك، دون البحث أو مراجعة أهل العلم والاختصاص في هذا المجال العلمي أو ذاك. لأن ما يحصل في العديد من الأحيان، هو أن ما كان يبدو مبالغة، أو يتضمن شيئاً من المبالغة؛ يتبيّن لدى أدنى حوارٍ، أو مراجعةٍ علمية، أنه ليس كذلك. وأن الحكم بالمبالغة وغيرها كان مبنياً على نقص في المقدمات والمعطيات وسوى ذلك، مما ادّى الى إصدار ذلك الحكم بالمبالغة، في حين أن واقع الأمر ليس كذلك.
وعلى كل الأحوال، فإن الكثير من النقد الذي يقدّم، إنما يدلّ على نوع من التفاعل والاهتمام من المتلقين، وعلى شعور بالمسؤولية والغيرة تجاه الخطاب الحسيني. وهو يبرز ظاهرة صحية في هذا الشأن، تنمّ عن مستوى من العقلانية والحسّ النقدي، الذي تتمتع به مجتمعاتنا، والذي ينبغي أن يفعّل، ويقابل بكثير من التقدير والاحترام، ليستفاد منه في تصحيح الخطاب الحسيني وتطويره، أو المزيد من شرحه وبيانه.



