رأي

عندما تفضي الأكاديميا إلى البهتان الطائفي (الشيخ محمد شقير)

 

كتب الشيخ د.محمد شقير _ الحوارنيوز

 

ربما كان أمراً مفاجئاً ما صدر عن شخصية أكاديمية، تدير معهداً للدراسات الإسلامية والمسيحية في إحدى الجامعات اللبنانية، من أقاويل، في ما يخص رؤية الطائفة الإسلامية الشيعية للحسين(ع) وعاشوراء والقضايا ذات الصلة، وهو ما يستدعي الردّ، رفعاً للالتباسات التي تحملها تلك الأقاويل وتنطوي عليها. 

تقول تلك الأكاديمية إن الشيعة لم يهضموا مقتل الحسين(ع)؛ ثم تذهب إلى إجراء مقارنة بين المعتقد المسيحي والمعتقد الشيعي، لتقول إنه في الأول المسيح مات وقام، أما في الثاني فالحسين(ع) مات ولم يقم؛ ثم لتعبّر عن رؤيتها تجاه الطائفة الشيعية ومعتقدها، بأن الشيعة لم يعيشوا التطهر للانطلاق إلى حياة أفضل، وأنهم يعيشون المظلومية كأنهم مظلومون أبداً؛ ثم لتنقل (خطأً) القول المعروف في النص العاشورائي:” يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً”، وتقوم بتأويله -بحسب فهمها- تأويلاً ما أنزل الله به من سلطان، ولم يُسمع به في غابر الأولين، ولا رأي المتأخرين، إلا فيما تفتق عن اجتهاد الأكاديمية المذكورة.

 ولنا في ما ذكر ملاحظات عدة:

  1. لم تبيّن لنا كيف أن الشيعة لم يهضموا مقتل الحسين(ع)، ولا أدلتها التي اعتمدت للوصول إلى تلك النتيجة؛ فإن كان مرادها ما ذكرته لاحقاً من أن الحسين(ع) مات ولم يقم (تأويلية القيام)، فهو ما سوف نردّ عليه بشكل منفصل تالياً؛ وإن كان السياق التاريخي ودينامياته المختلفة، فهو ما يدل على جهل تام بذلك السياق التاريخي المتفاعل مع عاشوراء وواقعة الحسين(ع)؛ وإن كان المنظومة القيمية العاشورائية، فهو ما يثبت أنها منفصلة تمام الانفصال عن حقيقة الوعي القيمي العاشورائي لدى الطائفة الإسلامية الشيعية وثقافته المرتبطة.
  2. في قيامة الحسين(ع) وموته -بحسب تعبيرها-؛

أولاً: ما يُستخدم في اللغة العاشورائية هو مفهوم الشهادة وفلسفتها، وليس الموت، وشتان، بُعد المشرقَين، بين الموت والشهادة. ثانياً: إن جدليّة خاصة قامت، وتقوم، ما بين حدث الشهادة وفعل النهضة، بمعنى أنه من رحم الشهادة يُستولد القيام والحركة والتغيير، اي إن فعل الشهادة لم يكن -لا في الوعي، ولا في الواقع- موتاً أو سكوناً، بل كان حركة جوهرية دؤوبة، تتصل بالتاريخ ومقاصده. وعليه، في تأويلية القيام، فإن الأكاديمية المذكورة، أبرزت فهمها الخاص للقيام الحسيني، وهو فهم يجافي، بشكل مطبق، ما عليه الوعي الشيعي -وأيضاً الواقع الشيعي- في هذا الموضوع وفهمه.

  1. في موضوع عيش الألم، وعقدة الذنب والتطهّر؛ لنا نقطتان أو ثلاث: 

الأولى: إن المُستخدَم -إجمالاً- في التراث العاشورائي هو مفهوم الحزن وليس الألم، وهو شعور فطري إنساني، لكن في الوعي العاشورائي يُعمل على تأصيله وإعادة بنائه؛ تأصيله يهدف إلى وصله بجميع معاني الحق والعدل، اي إن الحزن يكون عندما تُنتهك الإنسانية، ويَغلب الباطل، ويفشى الظلم، وهو ما يأخذنا إلى إعادة بناء وعي الحزن والارتقاء به إلى مراتب متعاليّة: قيمياً وأخلاقياً وإنسانياً؛ وللأسف فإن المشكلة الأعظم في المجتمعات البشرية اليوم -وقبله- هو ضمور ذلك الوعي القيمي الإنساني، والدليل ما نشهده في واقع اليوم من قتل وظلم وفساد وعدوان، حين يصبح، لدى الكثيرين، السكوت فضيلة، والحياد كرامة.

الثانية: إننا لا نعيش، كطائفة شيعية، ما أعتبرته عقدة ذنب تجاه قتل الحسين(ع)، أي نحن لا نشعر أننا مذنبون أساساً، حتى نعيش تلك العقدة. نعم، كل ما في الأمر أن الوعي العاشورائي يقوم بتجريد حدث الشهادة، ليؤول إلى أن يكون صراعاً بين الحق وبين الباطل، وبين العدل وبين الظلم، ليحفر في الوعي والوجدان معادلة دائمة، مفادها أن هذا الصراع موجود أبداً، في كل مراحل التاريخ ومواقفه، وأن الحسين(ع) في عاشورائه يتعالى على الحدث في التاريخ، ليصبح إماماً للتاريخ، وحيّاً -بالمعنى القيمي والفكري- في أحشائه وحركته، ففي كل عصر حسينٌ(ع) ويزيد، أي حقٌ وباطل، عدلٌ وظلم، وما على الإنسان إلا أن يختار أين يكون، ومع من يقف، حتى لا يكون مع المذنبين، وحتى لا يكون مذنباً كأولئك الذي قتلوا الحسين(ع) وأهله وصحبه، في زمان الواقعة. 

فوعيُنا للذنب لا يقول: نحن مذنبون، بل يقول: نحن لسنا مذنبين، لكن علينا أن نصلح أنفسنا بقيم الحق والخير والعدل، حتى لا نصبح مذنبين.

ثالثاً في التطهير، عندما تقول إن الشيعة لم يعيشوا التطهير للانطلاق إلى حياة أفضل، فهنا أيضاً تقع الأكاديمية تلك في الإسقاط الكلامي، أي هي تُسقط ما لديها من معتقد على ما لدى الشيعة فيه، ولم تنجح في الفصل الموضوعي والعلمي بينهما؛ فلدى الشيعة -بل المسلمين عامة- لا يوجد اعتقاد يفيد أن البشر قد جُبلوا بالخطيئة، حتى يكون الكلام عن تطهّر من تلك الخطيئة، ولا يوجد لدى الشيعة اعتقاد بأنهم مذنبون بقتل الحسين(ع)، حتى يأتي الكلام عن تطهّر من ذلك الذنب.

 نعم، يوجد كلام عن التطهّر بالمطلق، وليس عن تطهّر يكون فرعاً لخطيئة في جبلّة الإنسان، أو ذنب اقترفه غيره في التاريخ.

  1. في النص الذي ذَكرته:” يا ليتنا كنا معكم….”، فقد وقعت في خطأين اثنين:

الأول في متن ذلك النص، حيث قالت:” يا ليتنا كنا معكم وحظينا حظيكم”، لأن الصحيح هو: ” يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزاً عظيماً”

الثاني، وهو الأهم، في تأويل النص، عندما ذكرت أن تأويله هو: ” يا ليتنا كنا ومتنا”، أي إن الشيعة يتمنون أن لو كانوا ماتوا في عاشوراء؛ وهذا غير موجود لا في التراث الشيعي، ولا في الوعي العاشورائي، ولا في الخطاب العاشورائي، ولا حتى عند العامة من الشيعة، فمن أين جاءت به الأكاديمية المذكورة، سوى أنه من عندياتها، التي أرادت أن ترمي بها الشيعة، وتسقطها على معتقدهم. ولو التزمت ضوابط العمل الأكاديمي والمنهج، وتحرّت الصواب، وبذلت قليلاً من عناء، لوصلت إلى هذه النتيجة أن تأويلها هو: يا ليتنا نكون في جبهة الحق الذي كنتم عليه، ويا ليتنا نكون في فسطاط العدل الذي كنتم فيه… أي يا ليتنا ننصر الحق دائماً، ونقف إلى جانب العدل أبداً؛ وهو فعل تثقيفي تربوي، يُراد منه بناء الوعي والوجدان بشكل مستديم، ليكون، دائماً وأبداً، إلى جانب الحق والعدل، في كل زمان ومكان، لأنه إن فَعل، يكون مع الحسين(ع) وصحبه، وفي فسطاطه ومعسكره؛ إذ إن الكون مع الحسين(ع)  يضحى، في فلسفة التعالي هنا، الكون مع حقّه، ومع عدله.

  1. أما في موضوع المظلومية، وقولها إن الشيعة يعيشون المظلومية كأنهم مظلومون أبداً، فيوجد أمران: الأول نحن لا نرى أننا مظلومون أبداً، ثانياً القضية في وعينا تتجاوز الشيعة إلى كل من يلتزم قيم الحق ونهج العدل على مدار التاريخ، حيث إنهم قلّة، غالباً ما تكون عرضة للظلم والاضطهاد من أهل الباطل والفساد والعدوان، وهذا ما تقول به المصادر الدينية والكتب المقدسة، ولربما نظرةٌ إلى عموم التاريخ، والمعاصر منه، تؤيد ذلك. فما يقوله الشيعة هو: طالما نقف مع الحق ضد الباطل، وفي جبهة العدل بوجه الظلم، سنعاني من عدوان الظالمين وبغيهم، ومن تجنّي المفسدين وعلّوهم؛ وهذه المقولة تنطبق على أي فرد أو جماعة، تقف الموقف نفسه، وتلتزم المبدأ نفسه.

وعليه، أخلص إلى هذه النتيجة: إن الأكاديمية المذكورة، لم تقرأ عاشوراء والحسين(ع) كما هي لدى الشيعة، بل قرأتها كما هي في مخيالها، ولم تستطع أن تنفصل عن خلفياتها الفكرية، فوقعت في أكثر من إسقاط يجافي الحقيقة. 

لقد تحولت مقاربتها إلى أن تكون نوعاً من الافتراء الفكري، والتجنّي المعتقدي، بل التنمّر الطائفي، وعندما يصدر هذا الفعل من مدير مؤسسة (معهد) دراسات إسلامية مسيحية، يصبح الأمر أشدّ دلالة. 

والسؤال: كيف لأحدٍ في موقع إدارة معهد إسلامي مسيحي أن يقع في تلك الأخطاء، بل الخطايا، فهل العطب في الطائفية وغلبة وعيها؟ أم هو في إصابة بعض مؤسسات الدراسات تلك بلوثة الاستشراق، أي هي تدرس الآخر -أو تدرّسه- ليس من أجل تعريفه كما هو، وكما يعي هو ذاته، ويعبّر عنها، بل بهدف إعابته، وتسقيطه، والتشنيع عليه؟ 

لا أريد الجزم بأي من هذه الإجابات، أو غيرها، لكن هذا، يجعلنا نضع أكثر من علامة استفهام حول أي مؤسسة حوارية، أو معهد حواري أكاديمي، أو غير أكاديمي، لنسأل عن مقاصده، واستراتيجيته، ومجمل ما يبغي الوصول إليه. 

أختم بواقعة، قد تُعين جواباً: كنت أجد أنه في أحد مراكز الحوار في جامعة لبنانية، كانوا يأتون بأساتذة من الطائفة الإسلامية الشيعية، ليقوموا بتدريس مواد ذات صلة بالفكر الإسلامي، والشيعي تحديداً. وكنت أعلم أن بعض هؤلاء يحمل فكراً مخالفاً، في مجمل معتقداته، لما هو في المعتقد الشيعي؛ فالتقيت في مناسبة فكرية بنائب رئيس تلك الجامعة، وقلت له إنه إن كان هدفكم تعريف الطلاب بالفكر الإسلامي الشيعي، كما هو عليه، فينبغي أن تأتوا بمن يعي هذا الفكر بشكل صحيح: منهجاً، وفكراً، ورؤية، وموضوعات، لا أن تأتوا بمن ثبت بالدليل حجم الخلل، والأخطاء المنهجية، وغيرها، في وعيه ومعرفته بهذا الفكر؛ فوعد بإقامة ندوات أكاديمية استجابة لهذه الملاحظة؛ هذا كان قبل أكثر من سنتين، ومن يومها لم يحصل شيء.

*بالتزامن مع صحيفة الأخبار

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى