تقريرسياسة

عشية الانتخابات النصفية : من سيقبض على الكونغرس الأميركي؟

 

 

الحوارنيوز – تقرير خاص

 

تتجه الولايات المتحدة الثلاثاء إلى انتخابات نصفية تُعد من أهم المحطات السياسية في الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، إذ لن تقتصر أهميتها على تجديد عدد كبير من المقاعد النيابية ومواقع السلطة المحلية، بل ستشكل اختباراً شعبياً وسياسياً لأداء الإدارة الأميركية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني 2025 .

وتكتسب هذه الانتخابات أهمية استثنائية لأنها تأتي في منتصف الولاية الرئاسية، حيث يُمنح الناخب الأميركي فرصة لتقييم أداء الرئيس وحزبه، وإعادة توزيع موازين القوى داخل المؤسسات التشريعية، بما قد ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الإدارة على تنفيذ برنامجها الداخلي والخارجي.

والسؤال الأساسي ليس فقط من سيحصل على الأغلبية في الكونغرس، بل ما إذا كان ترامب سيحتفظ بالغطاء التشريعي الذي يسمح له بتمرير سياساته، أم سيواجه كونغرس معارضاً يفرض عليه تسويات سياسية ورقابة أكثر تشدداً.

 

وعلى خلاف الانتخابات الرئاسية التي تجري كل أربع سنوات، لا ينتخب الأميركيون رئيساً جديداً في الانتخابات النصفية. وإنما يتوجهون إلى صناديق الاقتراع لتجديد مؤسسات تشريعية وتنفيذية على المستوى الفيدرالي ومستوى الولايات.

وتشمل انتخابات 3 تشرين الثاني 2026 المحطات الآتية:

  1. مجلس النواب

جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً ستكون موضع منافسة انتخابية.

  • مدة ولاية عضو مجلس النواب سنتان.
  • يتم توزيع المقاعد على الولايات بحسب عدد السكان.
  • يحتاج الحزب إلى 218 مقعداً لتحقيق الأغلبية في المجلس المؤلف من 435 عضواً.
  • يتولى الحزب صاحب الأغلبية انتخاب رئيس مجلس النواب، الذي يتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية واسعة.

  ومجلس النواب هو المؤسسة التي تنطلق منها غالبية مشاريع القوانين والموازنات، كما يمتلك صلاحية إطلاق التحقيقات البرلمانية ومساءلة المسؤولين في الإدارة الأميركية.

ويستطيع المجلس، إذا انتقلت أغلبيته إلى الديمقراطيين، أن يتحول إلى مركز رقابة ومحاسبة سياسية على إدارة ترامب، وأن يضع عراقيل أمام عدد من مشاريعها.

  1. مجلس الشيوخ

 

يضم مجلس الشيوخ 100 عضو، يمثل كل ولاية منهم عضوان، وتبلغ مدة ولاية السيناتور ست سنوات.

وتشمل الانتخابات النصفية هذه السنة 35 مقعداً، في إطار التجديد الدوري للمجلس.

وتكمن أهمية هذه المعركة في أن مجلس الشيوخ لا يشارك فقط في التشريع، بل يمتلك صلاحيات دستورية أساسية، أبرزها:

  • المصادقة على تعيين الوزراء وكبار المسؤولين في الإدارة.
  • المصادقة على تعيين قضاة المحكمة العليا والقضاة الفيدراليين.
  • إقرار المعاهدات الدولية بأغلبية الثلثين من الأعضاء الحاضرين.
  • محاكمة المسؤولين الفيدراليين في حال إحالتهم إليه بعد اتهامهم من مجلس النواب.

  و يسيطر الجمهوريون على مجلس الشيوخ بأغلبية 53 مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المحسوبين على كتلتهم. ولكي ينتزع الديمقراطيون السيطرة، يحتاجون إلى تحقيق مكسب صافٍ من أربعة مقاعد، والوصول إلى 51 مقعداً.

أما الجمهوريون فيكفيهم الاحتفاظ بـ50 مقعداً، لأن نائب الرئيس جي دي فانس يستطيع ترجيح كفة التصويت عند التعادل.

  1. حكام الولايات 

تشمل الانتخابات اختيار حكام في 36 ولاية من أصل الولايات الأميركية الخمسين، فضلاً عن انتخابات في بعض الأقاليم الأميركية.

وهذه الانتخابات مهمة لأنها تتعلق بمواقع تنفيذية تمتلك صلاحيات واسعة في إدارة شؤون الولايات، ومنها:

  • السياسات الاقتصادية والضرائب المحلية.
  • التعليم والصحة والأمن.
  • إدارة أجهزة الشرطة والحرس الوطني ضمن الصلاحيات القانونية.
  • تنفيذ القوانين والبرامج التي تقرها المجالس التشريعية المحلية.

وتبرز أهمية حكام الولايات أيضاً في تأثيرهم السياسي والانتخابي على المستوى الوطني، وفي دورهم في إدارة العملية الانتخابية ضمن الأنظمة القانونية لكل ولاية.

  1. المجالس التشريعية

تشمل الانتخابات أيضاً تجديد مقاعد المجالس التشريعية المحلية في 46 ولاية. وبحسب المؤتمر الوطني للمجالس التشريعية للولايات، يتنافس المرشحون على 6,139 مقعداً تشريعياً في هذه الولايات، فضلاً عن مقاعد تشريعية في العاصمة واشنطن وبعض الأقاليم.

وهذه الانتخابات لا تحظى دائماً بالاهتمام الإعلامي نفسه الذي تحظى به انتخابات الكونغرس، لكنها مؤثرة في الحياة الأميركية، لأن هذه المجالس تقر القوانين المحلية والموازنات والضرائب، وتؤثر في قضايا التعليم والإجهاض والهجرة والانتخابات.

  1. الاستفتاءات والتعديلات القانونية

إلى جانب انتخاب المسؤولين، يتوجه الأميركيون في 39 ولاية وإقليم جزر ماريانا الشمالية إلى التصويت على 146 مسألة واستفتاء محليا.

وتتصل هذه القضايا بمجموعة من الملفات، أبرزها:

  • الضرائب والإنفاق العام.
  • حقوق الإجهاض.
  • شروط التصويت والهوية الانتخابية.
  • إعادة رسم الدوائر الانتخابية.
  • القوانين المتعلقة بالتعليم والميزانيات.

وهذا يعني أن الانتخابات ليست مجرد منافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل تشمل أيضاً خيارات تشريعية واجتماعية واقتصادية مباشرة أمام الناخبين.

 التوقعات

 

تشير تقديرات انتخابية نشرتها مؤسسات متابعة الانتخابات إلى أن الديمقراطيين لديهم فرصة جدية للمنافسة على الأغلبية في مجلس النواب، مستفيدين من ضيق الفارق الحالي بين الحزبين.

ويعني انتقال المجلس إلى الديمقراطيين أن ترامب قد يجد نفسه أمام سلطة تشريعية معارضة، حتى لو بقي الجمهوريون مسيطرين على مجلس الشيوخ.

ومن أبرز المؤشرات التي تستند إليها هذه القراءة:

  • تراجع شعبية الرئيس ترامب في استطلاعات الرأي.
  • ارتفاع القلق الشعبي من تكاليف المعيشة.
  • الجدل حول سياسات الهجرة.
  • تزايد الخلافات حول الإنفاق الحكومي والسياسات الخارجية.

وتشير تقديرات رويترز إلى أن الديمقراطيين يحتاجون إلى مكسب صافٍ من أربعة مقاعد لقلب السيطرة على المجلس.

 

وتبدو المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً، نظراً إلى اختلاف الخريطة الانتخابية وطبيعة الولايات التي يجري فيها التنافس. فالديمقراطيون يحتاجون إلى أربعة مقاعد إضافية، فيما يتمتع الجمهوريون بأفضلية عددية حالية تبلغ 53 مقابل 47

وتشير تقديرات التصنيف الانتخابي التي نشرتها Fox News عشية الاقتراع إلى أن السيطرة على مجلس الشيوخ تقع ضمن دائرة المنافسة المفتوحة، مع وجود عدد من المقاعد المتأرجحة.

أما تصنيف Cook Political Report، فيوضح أن عدداً من المقاعد لا يزال خارج خانة الحسم النهائي.

 استطلاعات الرأي

ثمة ثلاثة مؤشرات تستحق التوقف عندها:

  • أظهر استطلاع Reuters/Ipsos  في أيلول تراجع نسبة تأييد أداء ترامب إلى 32%، فيما أظهر استطلاع آخر في تشرين الأول مستوى بلغ 31%.
  • أظهرت استطلاعات YouGov  أن تكلفة المعيشة والاقتصاد من أبرز القضايا التي تشغل الناخبين.
  • تشير استطلاعات الولايات إلى منافسات متقاربة في عدد من سباقات مجلس الشيوخ والحكام.

لكن هذه الأرقام لا تعني حكماً انتخابياً مسبقاً، لأن استطلاعات الرأي تقيس اتجاهات الناخبين في لحظة محددة، ولا تعوض نتائج التصويت الفعلية.

 

والسؤال البارز كيف تنعكس النتائج على إدارة دونالد ترامب؟

 

هنا تكمن الأهمية السياسية الحقيقية لهذه الانتخابات. فترامب لا يخوض معركة انتخابية على الرئاسة، لكنه يخوض عملياً اختباراً لمدى استمرار قدرته على التحكم في السلطة التشريعية.

ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في المجلسين

إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلس النواب ومجلس الشيوخ، فإن ترامب سيواصل العمل مع كونغرس متوافق حزبياً مع إدارته.

ومن النتائج المحتملة:

  • استمرار تمرير التشريعات التي تتبناها الإدارة.
  • تسهيل إقرار الموازنات والإنفاق الدفاعي.
  • استمرار المصادقة على التعيينات الرئاسية.
  • تعزيز قدرة الإدارة على تنفيذ برنامجها الضريبي والاقتصادي.
  • تقليص احتمالات فتح تحقيقات برلمانية واسعة تقودها المعارضة.

لكن ذلك لا يعني غياب الخلافات داخل الحزب الجمهوري نفسه، إذ قد تظهر تباينات بين أجنحته حول الموازنة والإنفاق والسياسة الخارجية.

السيناريو الثاني: سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب وحده

هذا السيناريو يحمل انعكاسات سياسية ومؤسساتية مهمة. فقد يجد ترامب نفسه أمام مجلس نواب معارض، فيما يحتفظ حزبه بمجلس الشيوخ.

وتترتب على ذلك نتائج أبرزها:

أولاً: الرقابة والتحقيقات

يستطيع الديمقراطيون، إذا امتلكوا الأغلبية، السيطرة على رئاسة اللجان البرلمانية وتوسيع التحقيقات المتعلقة بأداء الإدارة وقراراتها وعقودها وسياساتها.

ثانياً: عرقلة التشريعات

لن يكون بمقدور الإدارة تمرير مشاريعها التشريعية بسهولة، إذ ستحتاج إلى التفاوض مع الديمقراطيين بشأن عدد كبير من الملفات.

ثالثاً: الموازنة والإنفاق

قد يتحول إقرار الموازنة والتمويل الحكومي إلى ساحة مواجهة سياسية، بما يرفع احتمالات التعطيل والتسويات الصعبة.

رابعاً: المساءلة السياسية

يمكن لمجلس النواب فتح إجراءات عزل الرئيس، لكن ذلك لا يعني إقالته تلقائياً. فالعزل يتطلب اتهاماً من مجلس النواب، ثم إدانة في مجلس الشيوخ بأغلبية الثلثين من الأعضاء الحاضرين.

السيناريو الثالث: سيطرة الديمقراطيين على المجلسين

هذا هو السيناريو الذي يطرح أكبر تغيير في موازين السلطة داخل واشنطن. فإذا تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في المجلسين، فإن ترامب سيواجه كونغرس معارضاً في المؤسستين التشريعيتين.

وتتمثل التداعيات المحتملة في:

  • تعثر عدد من المشاريع التشريعية التي تتبناها الإدارة.
  • تشديد الرقابة على قرارات البيت الأبيض.
  • فتح تحقيقات موسعة بشأن سياسات الإدارة ومسؤوليها.
  • صعوبة تمرير التعيينات الرئاسية في مجلس الشيوخ.
  • زيادة الضغوط على الإدارة لتعديل بعض السياسات الداخلية والخارجية.
  • تحول الكونغرس إلى ساحة مواجهة سياسية مستمرة بين البيت الأبيض والمعارضة.

ومن المرجح في هذه الحالة أن يزداد اعتماد ترامب على الصلاحيات التنفيذية الرئاسية، مع بقاء هذه الصلاحيات خاضعة للقيود الدستورية والقضائية والقانونية.

أما الديمقراطيون، فقد يجدون في السيطرة على الكونغرس فرصة لفرض أولوياتهم التشريعية والرقابية، والاستعداد المبكر للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028.

 

  ولكن هل تستطيع الانتخابات النصفية تغيير السياسة الخارجية الأميركية؟

  السؤال يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى الشرق الأوسط ولبنان وإيران وإسرائيل.

من الناحية الدستورية، لا يستطيع الكونغرس أن يحل محل الرئيس في إدارة السياسة الخارجية اليومية، فالرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتولى إدارة العلاقات الدبلوماسية والتنفيذية.

لكن الكونغرس يمتلك أدوات مؤثرة يمكن أن تحد من حرية الإدارة في التحرك، وأبرزها  التمويل والإعتمادات، التشريع المتعلق بالعقوبات والرقابة على الإنفاق العسكري ، الرقابة على الصلاحيات والتمويل وإصدار التشريعات، جلسات استماع وتحقيقات ومساءلة المسؤولين، المصادقة على عدد من كبار المسؤولين عبر مجلس الشيوخ.

وبالتالي، فإن انتقال مجلس أو مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين لن يعني انقلاباً تلقائياً في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، لكنه قد يفرض على ترامب قيوداً سياسية وتشريعية ومالية إضافية.

كما أن المواقف من إسرائيل وإيران وأوكرانيا لا تتطابق بالضرورة بين جميع الجمهوريين أو جميع الديمقراطيين، الأمر الذي يجعل طبيعة التحالفات داخل الكونغرس عاملاً مهماً في تحديد النتائج الفعلية.

 

الخلاصة والقراءة السياسية

إن الانتخابات النصفية الأميركية لعام 2026 ليست مجرد انتخابات لتجديد مقاعد نيابية أو اختيار حكام ولايات، بل هي استفتاء سياسي واسع على أداء إدارة دونالد ترامب في منتصف ولايته الرئاسية الثانية.

وتكمن أهميتها في أنها تختبر ثلاثة عناصر مترابطة:

  • شعبية ترامب: هل لا يزال قادراً على تحويل قاعدته الشعبية إلى قوة انتخابية تمنح الجمهوريين الأغلبية؟
  • توازن السلطات: هل يحتفظ الحزب الجمهوري بالسيطرة على المؤسسات التشريعية، أم تعود المعارضة الديمقراطية لتكون شريكاً إلزامياً في إدارة القرار الأميركي؟
  • مستقبل السياسة الأميركية: هل تستمر الإدارة في تنفيذ برنامجها الداخلي والخارجي بالزخم نفسه، أم تدخل مرحلة من التسويات والقيود السياسية؟

ومن المهم الإشارة إلى أن خسارة الجمهوريين مجلس النواب وحده لا تعني شلل الإدارة الأميركية، كما أن احتفاظهم بالمجلسين لا يعني أن جميع قرارات ترامب ستمر من دون اعتراض.

لكن الفارق السياسي كبير بين رئيس يمتلك أغلبية تشريعية في المجلسين، ورئيس يضطر إلى مواجهة أغلبية معارضة في أحدهما أو كليهما.

وفي المحصلة، فإن معركة 3 تشرين الثاني هي معركة على مستقبل التوازن السياسي في الولايات المتحدة، وعلى حدود السلطة التي يتمتع بها ترامب خلال العامين الأخيرين من ولايته. وهي أيضاً محطة مبكرة في رسم ملامح الصراع الرئاسي لعام 2028، بما يحمله ذلك من انعكاسات على السياسة الأميركية تجاه العالم، وخصوصاً الشرق الأوسط.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى