رأيسياسةمحليات لبنانية

سياسة البرج العاجي: درس في الدبلوماسية (إبراهيم عميس)

 

كتب د. ابراهيم عميس – الحوارنيوز

تدمير، قصف مدفعي، طيران حربي، درون ترمي مواد حارقة. أخبار أصبحت من الروتين اليومي، تعصر القلب وتربك العقل عن عقلانيته.

كنت أقرأ شيئًا لجورج أورويل، ولاحظت التشابه بين ما قال وما يحدث في جنوبنا الحبيب.

هناك مقولة تُنسب بصيغ مختلفة إلى جورج أورويل، ومضمونها أن كثيرًا من الأفكار السخيفة لا يمكن إلا أن ينتجها أو يؤمن بها المثقفون.

ليست المشكلة في المثقف أو المعرفة أو الجامعات، بل عندما تُنتج الأفكار في بيئة لا يوجد فيها واقع قادر على معاقبة الفكرة الخاطئة، فيصبح من الممكن تفسير الفشل وتبريره، بل أحيانًا تمريره وكأنه نجاح.

مثالًا، في الهندسة لا تستطيع أن تجادل الجاذبية. تستطيع أن تكتب مئة صفحة لتبرهن أن تصميمك صحيح، لكن إذا وقع الجسر فاعلم أن حساباتك كانت خاطئة. وفي الأعمال، تستطيع أن تضع أجمل خطة، لكن إذا كانت الكلفة أكبر من العائد سيفشل المشروع. في الحالتين هناك آلية تصحيح قاسية اسمها الواقع.

أما في بعض فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية وحتى السياسية والدبلوماسية، فالأمر مختلف. يستطيع صاحب النظرية أن يبني منظومة فكرية كاملة من دون لحظة واضحة يسقط فيها الجسر أمامه. وإذا اصطدمت النظرية بالواقع، يمكن إعادة تفسير الفشل بنظرية أخرى. وهكذا تستطيع الأفكار المنفصلة عن الواقع أن تعيش طويلًا، لا لأنها صحيحة، بل لأن آلية التصحيح ضعيفة.

والمشكلة أن السياسة اللبنانية بدأت تشبه هذا النوع من التفكير.

وهذا تحديدًا ما نراه اليوم في إدارة ملف الجنوب والاتفاق لوقف الحرب والانسحاب.

اختارت السلطة اللبنانية المسار الدبلوماسي. وهذا بحد ذاته ليس خطأ. فالدبلوماسية أداة أساسية في السياسة، وقد تكون أقل كلفة وأكثر فاعلية من خيارات أخرى.

لكن الدبلوماسية ليست إعلان نوايا، ولا خطابات إيجابية، ولا أن ننفذ ما يُطلب منا ثم ننتظر أن يكافئنا الطرف الآخر بالمثل.

الدبلوماسية تفاوض، والتفاوض يحتاج إلى أوراق.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: دخل لبنان هذا المسار وهو لا يملك عمليًا ما يقايض به سوى حسن النية والكلام الإيجابي وانتظار الضغط الدولي. كأننا نتفاوض مع العالم كما نتمنى أن يكون، لا كما هو.

والحقيقة أن المشكلة ليست في اختيار الورقة الخطأ، بل في أننا دخلنا هذا المسار من دون أوراق أصلًا. وهذا بحد ذاته جزء من الحجة: حين لا تملك شيئًا تقايض به، فإن الحديث عن “استراتيجية تفاوضية” يصبح تجميلًا لغويًا لواقع هو أقرب إلى الانتظار منه إلى التفاوض.

والتاريخ لا يقول غير ذلك. الدول لا تتنازل عادة لأن الطرف الآخر كان أكثر تهذيبًا أو عقلانية. المفاوضات تنتج عندما يكون لكل طرف شيء يريده الآخر، أو عندما تصبح كلفة رفض التسوية أعلى من كلفة قبولها. لكننا في لبنان نتصرف وكأن هناك نموذجًا ثالثًا: أن نقدّم ما لدينا أولًا، ثم ننتظر المقابل لاحقًا.

أمّا في الواقع، فالتهجير ما زال قائمًا. أهل قرى كثيرة لم يعودوا إلى بيوتهم. التدمير والاعتداءات مستمران، والأرض والحياة الطبيعية لم تعودا إلى ما كانتا عليه.

هذه ليست تفاصيل جانبية في تقييم المسار الدبلوماسي؛ هذه هي النتيجة التي يجب أن يُقاس بها.

ولو كان هذا مشروعًا هندسيًا، لكانت التشققات أمام أعيننا. ولو كان مشروعًا تجاريًا، لظهرت الخسارة في الميزانية. أما في السياسة، فيمكن أن تستمر الاستراتيجية نفسها رغم النتائج، ثم يخرج أصحابها ليقولوا إن العملية تحتاج فقط إلى المزيد من الوقت.

لكن الجنوب ليس نظرية في العلوم السياسية.

هناك عائلات مهجرة، وبيوت تُهدم، وأرض لا يستطيع أصحابها الوصول إليها، وقرى تفقد تدريجيًا مقومات الحياة. وبينما يحدث ذلك، يستمر النقاش من بعيد حول نجاح المسار وضرورة الصبر عليه.

هنا يصبح البرج العاجي خطيرًا، لأن من يعيش داخله لا يدفع مباشرة كلفة خطئه. أهل الجنوب هم الذين يدفعون كلفة التجربة، بينما يحتفظ أصحاب النظرية بحق تفسير نتائجها.

المطلوب ليس إلغاء الدبلوماسية. لبنان يحتاج إليها. لكن هناك فرقًا بين الدبلوماسية كأداة والدبلوماسية كعقيدة.

الأداة تُقاس بنتائجها وتُعدَّل عندما لا تحقق أهدافها. أما العقيدة فتستمر لأن أصحابها يؤمنون بها حتى عندما يقول الواقع شيئًا مختلفًا.

المشكلة إذًا ليست في اختيار الدبلوماسية، بل في تحويلها إلى بديل عن الاستراتيجية: بلا أوراق تفاوض واضحة، وبلا كلفة يمكن فرضها، وبلا بدائل إذا لم يستجب الطرف الآخر.

السياسة الحقيقية ليست نوايا حسنة وخطبًا مطمئنة. هي أهداف وأوراق ومصالح وبدائل ونتائج.

وربما تحتاج سياستنا اليوم إلى شيء من تواضع المهندس. عندما يرى المهندس أن الجسر لا يتحمل، لا يلقي محاضرة على الجاذبية كي تغيّر قوانينها.

يغيّر التصميم.

والواقع أمامنا واضح: التهجير مستمر، والتدمير مستمر، والاعتداءات مستمرة.

فإذا كانت السياسة لا تغيّر الواقع، فقد حان الوقت لأن يغيّر الواقع سياستنا.

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى