انتهت الحرب بالتعادل الإيجابي.. فمتى تبدأ الأشواط الإضافية؟( أحمد حوماني)

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
بائسون أولئك الذين يربطون نهاية الحرب الحالية بمواقيت أقل ما يُقال فيها إنها تافهة بنظر صانعي الحروب في هذا العالم، فمرة تراهم يؤكدون أن نهاية الحرب حكمًا ستكون قبل بدء كأس العالم لكرة القدم كونها تجري في الولايات المتحدة الأمريكية، ومرة أن الانتخابات الصهيونية التي قد تجري في أيلول المقبل يلزمها هدوء الساحة العسكرية حتى يستطيع نتنياهو تجيير انتصاره بها، وتارة أن الانتخابات النصفية في أمريكا تُلزم ترامب إنهاء الحرب لأنها تستنزف من رصيد حزبه الجمهوري، وطورًا أن الدول العربية قد ضاقت ذرعًا بهذه الحرب، وهي تسعى لإغلاق ملفها الذي جلب لها الدمار والخسائر الاقتصادية والسياسية.
مواقيت ومواعيد سبق أن عايشناها في الحرب على غزة، لكننا وعلى سبيل المزاح نستعير المثل عن المنجمين فنقول: (كذب الوقّاتون ولو صدقوا). إن كل ما يُذكر ليس له تأثير فعلي على إيقاف الحرب، نعم هو يتأثر بها، سواء استمرت أو توقفت.
إن ما يجول في خاطر صانعي الحروب في العالم هو مدى تحقيق الحرب لأهدافهم التي يسعون إليها، سواء الأهداف الاستراتيجية أو الأهداف التكتيكية المرحلية، وهم لا يهتمون لما يجري من أحداث أخرى في العالم، سواء كانت انتخابات أو كأس عالم أو غيرها. وللتدليل على ذلك فإن ترامب مثلًا لم يحضر افتتاح كأس العالم كما هي عادة رؤساء الدول التي تجري البطولة على أرضهم، بل استهزأ بالبطولة عندما قال إن سعر بطاقة الدخول يصل إلى ألف دولار، وهو بالتأكيد لن يدفع هذا المبلغ مقابل حضور مباراة، وهو يعلم أيضًا أن الشعوب عامة، والشعب الأمريكي خاصة، يسعى وراء لقمة عيشه الذليلة، وأن هموم الحياة تُنسيه الماضي ولا يتذكر إلا اللحظة التي يعيش فيها، وهو بالتالي سيستطيع إعادة برمجته ولو قبل فترة قصيرة جدًا من الانتخابات، سواء بإنزال أسعار البنزين وغيره حتى لو اضطر إلى استخدام الجزء الأكبر من احتياطاته في الأيام الأخيرة قبل الانتخابات، فيبدو أنه المنقذ لهم، أو في اتخاذ قرارات اقتصادية واجتماعية ترفع من أسهمه الانتخابية في الأسبوع الأخير قبل الانتخابات.
أما على صعيد العدو الصهيوني ففكرة أن نتنياهو بحاجة إلى إيقاف الحرب للتفرغ للانتخابات هي فكرة ساذجة، فنتنياهو يُدرك أنه قد استطاع جعل الحرب ضد إيران ولبنان وغزة حرب وجود، واستطاع كذلك جر الشعب نحو مزيد من التطرف ضد العرب وإيران، وهو لا يعاني من مشكلة الحروب الخارجية، فكل خصومه السياسيين يتبنون نفس منطقه، بل يزايدون عليه في كثير من الأحيان. فلبيد وبينت وليبرمان وآيزنكوت وغيرهم يتبعون نفس منهجه في الحروب، وليس منهم من يؤمن أو يتخذ سبيل السلام مع جيرانه كعنوان لحفظ الكيان من جيرانه، فالحرب هي جزء من منظومته الانتخابية، وليس إيقافها ما سيساعده على الفوز بها، بل يمكن القول إن استمرارها يدعم موقفه الانتخابي أكثر.
وبعيدًا عن الجدل العقيم حول من يُملي قراراته على الآخر، هل هو ترامب أم نتنياهو، فالأغلب أن الاثنين مغلوب على أمرهما، وهما سواء في ذلك يخضعان للجهة التي قررت شن هذه الحروب لتحقيق أهداف محددة، وهو ما يُسميه البعض بالدولة العميقة الحاكمة في أمريكا والعالم. إن الحروب التي تُخاض على مستوى العالم لا تتوقف إلا عند تحقيق أهداف منظميها أو عند التأكد من أن هذه الأهداف لم تتحقق ولا يمكن تحقيقها بهذه الطريقة، أو أصبحت كلفة استمرارها أعلى من أي مردود يمكن الحصول عليه، فيُصار إلى إيقافها والبحث عن بدائل لها تُحقق نفس الأهداف سواء بالدبلوماسية أو الثورات الداخلية أو حروب لاحقة عندما تنضج الظروف بشكل أفضل. علمًا أن عدم تحقيق الأهداف قد يكون من سوء التخطيط، وقد يكون من فشل تنفيذ المخططات بشكل صحيح، وقد يكون بسبب عدم تقدير قوة الخصم وما يمكن أن يستخدمه من أوراق أبقاها مخفية عليهم، وهو ما وقعت فيه أمريكا والعدو الصهيوني في الحرب الحالية، فلم يخطر ببال المخططين في البنتاغون ووزارة الحرب الأمريكية وال”سي آي إيه” أن إيران يُمكن أن تتخذ قرارًا بقصف الدول الخليجية المحيطة بها، وبهذه الكثافة، فقصف السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين والأردن كان مفاجئًا لهم، وهي خطوة فاجأت العالم كله، لما فيها من جرأة وشجاعة غير مسبوقة. كما أن إغلاق مضيق هرمز وإن كان في حساباتهم، لكن غلبة فكرة أن الحرب سريعة وخاطفة جعلتهم لا يقيمون وزنًا لإغلاق المضيق لأسبوع أو أكثر بقليل، لكن صمود إيران وإطالة أمد الحرب جعلت هذه الورقة أيضًا من المفاجآت التي أنهكت العالم بأسره.
أما في كيان العدو الصهيوني فكان التقدير أن الحرب الحالية ستبدأ من حيث انتهت الحرب السابقة، معتبرين أن المقاومة قد هُزمت في الحرب السابقة، واستُنزفت على مدار أكثر من خمسة عشر شهرًا، وأن الخروج للحرب عليها سيكون سهلًا وسريعًا لفرض استسلام نهائي، لكنها أيضًا كالأمريكيين تفاجأت بالأسلحة الجديدة التي أدخلتها المقاومة إلى ساحة المعركة، كالصواريخ الموجهة البعيدة المدى، أو الطائرات المسيرة التي يتم التحكم بها عن بعد بواسطة شريط الفايبر، وأكثر من ذلك تفاجأت بالعزم والإرادة في القتال عند شباب المقاومة. كل هذه الأسباب جعلت صانعي الحروب يميلون إلى إيقافها، خصوصًا أنها تحولت إلى استنزاف لقدراتهم العسكرية والاقتصادية والبشرية، لكن هل يعني ذلك إنهاءها؟.. نستبعد ذلك، ما هو حاصل حاليًا هو السعي لإيقافها مع محاولة الحصول على أكبر قدر من المكاسب التي تخدم أهدافهم، والأمريكي معروف بأنه يُحقق مكاسب بالمفاوضات والدبلوماسية أكثر مما يُحققها في الحروب العسكرية.
إن الذي حدّد ويُحدّد وقت إيقاف الحروب التي تفتعلها أمريكا والعدو الصهيوني هو مدى صمود الطرف الآخر، وقدرته على إنزال الخسائر بهما، ما يجعل تحقيق الأهداف صعبًا عليهم، وهو ما حصل في هذه الحرب التي ستتوقف كما يبدو والنتيجة هي التعادل، لكن ليس التعادل السلبي الذي يحصل في مباريات كأس العالم عندما تنتهي المباراة من دون أهداف، بل التعادل الإيجابي الذي حقق كل من الطرفين عدة أهداف في مرمى الآخر، وهو ما يعني أننا قد نكون أمام أشواط إضافية في أقرب فرصة يرى صانعو الحروب أن أهدافهم يمكن أن تتحقق فيها، وقد يطول وقت الاستراحة وقد يقصر بناءً على ذلك. لكن يبقى السؤال الأهم وهو هل سيجبر نتنياهو أمريكا وإيران على اللجوء لركلات الترجيح مباشرة؟



