الفوضى الخلاقة.. عندما تهرب أمريكا من إخفاقاتها (احمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
قدمت أمريكا للعالم عدداً من السياسيين الإستراتيجيين والمحنكين على مدار عشرات السنين، وكلنا يذكر وزير الخارجية هنري كيسنجر، ومستشار الأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي، وكوندوليزا رايس. والأخيرة عملت مع الرئيس جورج بوش الابن في الولاية الأولى له كمستشارة للأمن القومي، وفي الولاية الثانية كوزيرة للخارجية. وقد شهدت تلك السنوات الكثير من الأحداث السياسية والعسكرية في منطقتنا العربية ،منها غزو العراق والعدوان الصهيوني على لبنان في العام ألفين وستة. وقد عُرفت بالحزم والشدة في معالجة الملفات السياسية التي عملت عليها، واستخدمت عبارتين ما زال اللبنانيون والعرب يتذكرونها بها كلما قيلت أمامهم، وهما عبارة (مخاض الشرق الأوسط الجديد) والتي قالتها تبريراً لحجم القتل والدمار الذي قام به العدو الصهيوني في حربه على لبنان، وعلّلت بأن ذلك لزوم التغيير الكبير الذي سيحدث في هذه المنطقة. أما العبارة الثانية فهي (الفوضى الخلاقة) وإن كان هذا التعبير ليس من بنات أفكارها، إلا أن استخدامها له في وصف الحروب التي تخوضها أمريكا أعطته بعداً سياسياً مميزاً.
مفهوم الفوضى الخلاقة يعود في أصوله إلى نوع من أنواع إدارة المؤسسات، وظل هذا المفهوم لعقودٍ طويلةٍ من الزمن خلال القرن العشرين مرتبطاً بنظريات الإدارة، بحيث تكون الفوضى داخل المؤسسات أداةً من أدوات النجاح بعد فترةٍ باستخدام معطياتٍ معينة. إذ تقوم النظريات الإدارية التي تستخدم مفهوم الفوضى الخلاقة على أنها مرحلة من مراحل التغيير الإداري، التي يمكن أن تمر بها أية مؤسسة لتشهد مزيداً من التطور والاستقرار في مرحلة لاحقة.
مستشارة الأمن القومي الأمريكي وقتها كوندوليزا رايس، اقتبسته من الإدارة في المؤسسات للعمل به في السياسة، وعنت به التغييرات العميقة التي كانت تسعى الإدارة الأمريكية لتحقيقها في الشرق الأوسط عبر إثارة الأزمات والصراعات في الدول التي تعارض سياساتها. فالفوضى التي تثيرها أمريكا في هذه الدول هي بنظرها محرك لإعادة تشكيل النظام السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي في المنطقة، حيث ترى الإدارة الأمريكية أن هذه الفوضى المؤقتة قد تؤدي إلى نتائج إيجابية، مثل: استقرار سياسي مستقبلي، وتحقيق مصالحها طويلة الأجل في المنطقة.
وقد استخدمت أمريكا هذه النظرية في العديد من دول العالم كأفغانستان والعراق وسوريا حيث تم إثارة الاقتتال الداخلي، وتدمير بنى الدولة من جيش، وأجهزة أمنية، ومؤسسات رسمية وحكومية، فضعفت السلطة الحاكمة، واستسلمت، لتعيد الإدارة الأمريكية بناء منظومة الدولة بالطريقة التي تضمن هيمنتها على القيادة الجديدة للبلاد. وقد تم اللجوء إليها أيضاً بفعالية كبيرة أثناء ما سُمّي بالربيع العربي لإعادة إنتاج سلطات وحكومات تخضع كلياً للإدارة الأمريكية. وقد نجح ذلك في بعض الدول كمصر مثلاً، وأخفق في البعض الآخر كما حصل في ليبيا التي عانت من حروب مدمرة ولم تستقر حتى اليوم، وسوريا التي عاشت ما يقارب من خمسة عشر سنة من الحروب قبل أن تصل إلى ما هي عليه الآن. إذاً تلجأ أمريكا إلى سياسة الفوضى الخلاقة عندما ترى نفسها غير قادرة على إحداث تغيير تريده في السلطة، أو عندما تتعرض إلى خسائر تجعلها تتراجع، تاركة البلد يعاني من الحروب والاقتال والفوضى.
ما تعانيه منطقتنا في هذه الفترة من تاريخها يمكن – بعد إذن كوندوليزا رايس – أن نُسميه مخاض غرب آسيا الجديد، فبسبب الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران ولبنان، دخلت المنطقة في حالة من الفوضى السياسية والعسكرية. صحيح أن أمريكا والكيان الصهيوني كانا يسعيان إلى تطبيق نظرية الفوضى الخلاقة في إيران، لكن الواقع أن المنطقة كلها قد دخلت في هذه الفوضى. فالحرب اليوم قد وصلت إلى أكثر من عشر دول لا سيما دول الخليج، علماً أن لبنان وسوريا والعراق ما زالت تعاني من الفوضى الخلاقة – التي أدخلتها بها أمريكا – بطريقة من الطرق، ولم تستقر أنظمتها بشكل كامل. وعليه فإن الخطر الأكبر حالياً هو على دول الخليج العربي: السعودية، وقطر، والكويت، والإمارات، والبحرين، وعمان، وإيران، حيث لا يبدو هناك من أفق للحل الدبلوماسي بالرغم من كل الجهود المبذولة، وبالرغم من أن هذه الدول مجتمعة لا تريد هذه الحرب، إلا أن إصرار أمريكا على فرض شروطها سيُبقي المنطقة على فوهة بركان قد تتطاير شظاياه لتصيب الجميع بأضرار لا تُحمد عقباها.
إذا صدقت تقارير الإعلام الأمريكي عن أن واشنطن سحبت أغلب قواتها من الكويت وأربيل والبحرين، وأعادت تموضعها في ألمانيا، وبلغاريا، وقبرص، وكريت، وعوفدا ورامون وبن غوريون في الكيان الصهيوني، فهذا يُشير إلى أن أمريكا بدأت تلملم أذيال هزيمتها في المنطقة، وهي ستتراجع لاحقاً من مناطق ودول أخرى، وستعمد إلى إثارة الفتن والاقتتال فيها، وهذا يعني فوضى عارمة وحروب مستمرة على أمل أن تستطيع إعادة تشكيلها بطريقة خلاقة في وقت ما في المستقبل. وكلنا يذكر ما حدث في لبنان عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين عندما تراجعت القوات الأمريكية من بيروت بعد تلقيها ضربة عسكرية قاسمة، وتركت لبنان غارقاً في الفوضى، وعندما تراجعت أمام اليمن السنة الماضية وأعلنت انتهاء مهمتها البحرية.
الخوف كل الخوف أن يكون شعار أمريكا في حال تراجعت عن المنطقة هو (علي وعلى أعدائي)، فإذا لم تستفد من ثروات المنطقة فلن يستفيد أحد من خيراتها، وباعتقادها أنها إذا لجأت للفوضى فقد تستطيع إعادة لملمة بعض خسائرها، بل قد تكون أكثر المستفيدين من إدخال منطقة الخليج في الفوضى، لأنها بالفوضى ستُدخل العالم في أزمة طاقة سيكون الخاسر الأكبر فيها الصين ودول الاتحاد الأوروبي، بينما تُصلي روسيا ليتحقق أمر هذه الفوضى في الخليج، حيث ستُصبح المتحكم الأول بأسعار الطاقة على أنواعها، وستجثو أوروبا تحت قدميها. وهنا نتساءل عن سر العلاقة بين ترامب وبوتين منذ الولاية الأولى له، وهو الذي وعد بإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا في الأسبوع الأول لتسلمه الحكم، وهو الذي أضعف أوروبا في مواجهة روسيا وقلّص الدعم الأمريكي لأوكرانيا إلى حدوده الدنيا.
يبدو أن إيران والسعودية سيكونان أمام أصعب اختبار يمر عليهما منذ عشرات السنين، فكيف لإيران أن تحقق مبتغاها في طرد الأمريكي من غرب آسيا دون إدخالها في حالة من الفوضى التي يريدها الأمريكي؟ وكيف للسعودية أن تحافظ على كيانها وكيان أخواتها من دول الخليج بعد خروج الأمريكي؟ فهل ستسعى لاستجلاب دول أخرى إلى ساحة الصراع كـمصر وباكستان؟ أم ستغلق الملفات الخلافية مع اليمن والعراق، وستمد اليد إلى إيران لإعادة هيكلة المنطقة وفقاً لمصالحها المشتركة؟
يبدو أن قدر هذه المنطقة أن تكون مسرحاً لفوضى خلاقة حسب التعبير الأمريكي، ويبدو أن مخاضها سيكون طويلاً، فهل سيستسلم قادتها لهذا المصير؟ أم أنهم سيستطيعون استغلال هذا التراجع الأمريكي عن المنطقة لبناء منظومة أمنية تؤسس لاتفاقات (خلاقة)، وتوفر على شعوبها (مخاضات) عسيرة؟ وتجعل ولادة مستقبل زاهر لأجيالهم القادمة أمراً يسيراً.



