رأي

الدين بين «أفيون الشعوب» وثقافة المقاومة ( أسامة مشيمش) 

 

بقلم: د. أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز

لم تتوقف مقولة الفيلسوف الألماني كارل ماركس الشهيرة: «الدين أفيون الشعوب» عن إثارة الجدل منذ أكثر من قرن ونصف، إلا أن هذه العبارة كثيرًا ما تُقتطع من سياقها الفكري، فتُقدَّم على أنها إدانة مطلقة للدين، بينما تكشف القراءة المتأنية أن ماركس كان ينتقد توظيف الدين لتبرير الظلم الاجتماعي أو التخفيف من آلام المقهورين دون معالجة الأسباب الحقيقية لمعاناتهم، ولم يكن يخوض سجالًا مع الإيمان بوصفه تجربة إنسانية وروحية.

والواقع أن التاريخ يقدم شواهد عديدة تؤكد أن الدين ليس بطبيعته قوة رجعية أو ثورية، بل إن وظيفته تتحدد وفق القراءة التي يتبناها المجتمع والظروف السياسية والاجتماعية التي تحيط به. فالنصوص الدينية نفسها قد تتحول إلى أداة بيد السلطة لتبرير الاستبداد، كما يمكن أن تصبح مصدرًا لإلهام حركات التحرر والمقاومة.

ولعل التجربة المسيحية تمثل نموذجًا واضحًا لهذه الثنائية. فقد لعبت الكنيسة في مراحل من العصور الوسطى دورًا في تكريس النظام الإقطاعي والدفاع عن امتيازات الطبقات الحاكمة، لكنها شهدت لاحقًا ولادة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، حيث أعاد عدد من رجال الدين والمفكرين قراءة الإنجيل من منظور الفقراء والمظلومين، وجعلوا من الرسالة الدينية مشروعًا للتحرر من الظلم والاستغلال.

والأمر ذاته ينسحب على التجربة الإسلامية، التي لا يجوز اختزالها في صورة واحدة أو مشروع سياسي واحد. فقد ظهرت قراءات متشددة استغلت الدين لتبرير العنف والتكفير، في مقابل قراءات أخرى جعلت مقاومة الاحتلال والدفاع عن السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية جوهر رسالتها. وهذا التباين يؤكد أن المشكلة ليست في الدين نفسه، بل في الكيفية التي يُفهم بها ويُوظَّف في الواقع.

وفي هذا السياق، تبرز عاشوراء باعتبارها أكثر من مجرد مناسبة دينية أو ذكرى تاريخية، فهي في إحدى قراءاتها تمثل مدرسة أخلاقية وثقافة مقاومة تستلهم من نهضة الإمام الحسين قيم التضحية والعدالة ورفض الظلم. ومن هنا استطاعت أن تتحول، لدى كثير من الشعوب، إلى مصدر لإحياء روح الصمود ومواجهة الاحتلال والاستبداد، لا إلى مناسبة للبكاء على الماضي فحسب.

إن التجارب التاريخية تؤكد أن الدين قد يؤدي وظيفتين متناقضتين؛ فهو يصبح «أفيونًا» عندما يُستخدم لإقناع المظلومين بالاستسلام لواقعهم وانتظار العدالة في العالم الآخر، لكنه يتحول إلى قوة تغيير عندما يستنهض قيم الحرية والكرامة والعدالة، ويدفع الناس إلى مقاومة الظلم والدفاع عن حقوقهم.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الدين رجعي أم ثوري؟ بل: أي قراءة للدين هي التي تسود في لحظة تاريخية معينة؟ ومن يمتلك سلطة التأويل؟ ولصالح أي مشروع سياسي واجتماعي تُستخدم النصوص الدينية؟

إن التاريخ يثبت أن الدين ليس خارج حركة المجتمع، بل هو جزء من صراعاته وتحولاته. فهو قادر على أن يكون أداة لتكريس الهيمنة، كما يستطيع أن يكون منبعًا للطاقة الأخلاقية التي تستنهض الشعوب في معارك التحرر، عندما يقترن الإيمان بقيم العدالة والكرامة والحرية، ويتحول من وسيلة لتبرير الواقع إلى دافعٍ لتغييره نحو مستقبل أكثر إنسانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى