اتفاق على حافة الهاوية!(أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
تتسم التفاهمات الجارية بين واشنطن وطهران بطبيعة معقدة تضع المتابعين أمام تحديات كبيرة في تقييم مآلاتها، إذ يظل الهاجس الجوهري للجانب الإيراني متمثلاً في طبيعة الضمانات التي يمكن أن تحصن أي اتفاق من تقلبات المزاج السياسي للرئيس ترامب وخصائصه الشخصية التي ترفض القوالب التقليدية للالتزام، وهو ما يجعل من هذا الاتفاق الوشيك، من وجهة نظره، تفاهمات ديناميكية قابلة لإعادة التفاوض في أي لحظة وفقاً لمعايير الربح الشخصي لا الأطر المؤسساتية الثابتة، ما يقلص التوقعات بصدد الالتزام به بصورة خالية من التوتر إلى نسبة تقارب 47%.
وتتضح معالم هذا النص المقترح، وفقاً لما تداولته الوكالات، كخارطة طريق طموحة تحاول معالجة ملفات شائكة عبر البنود التالية: وقف دائم وفوري للحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وتعهد أمريكي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية واحترام سيادة الجمهورية الإسلامية، ورفع الحصار البحري كاملا خلال 30 يوما، والتزام أمريكي بسحب قواتها من محيط إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز خلال 30 يوما وفق ترتيبات إيرانية، وتعليق العقوبات المفروضة على صادرات النفط والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها وضمان وصول إيران الكامل إلى مواردها المالية، وتقديم خطط لإعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار من جانب الولايات المتحدة وحلفائها، ومهلة 60 يوما للتفاوض للوصول إلى اتفاق نهائي يقوم على الملف النووي والإلغاء الكامل للعقوبات الأولية والثانوية الأمريكية وكذلك قرارات مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتجديد التزام إيران بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بعدم إنتاج سلاح نووي، وتعهد أمريكي خلال فترة التفاوض بعدم تعزيز قواتها في المنطقة وعدم فرض أي عقوبات جديدة، والإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة خلال فترة المفاوضات النهائية البالغة 60 يوما، على أن يتاح نصف هذا المبلغ لإيران قبل انطلاق المفاوضات، وإنشاء آلية رقابية لتنفيذ الاتفاق، واعتماد الاتفاق النهائي بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي، وعدم انطلاق المفاوضات النهائية قبل الإفراج عن نصف الأصول الإيرانية المجمدة، وتعليق العقوبات النفطية، ورفع الحصار البحري، على أن يقتصر الاتفاق النهائي على مصير المواد المخصبة وعملية التخصيب ورفع العقوبات وبرنامج إعادة بناء الاقتصاد الإيراني، كما يخرج من جدول الأعمال نهائيا أي بحث في البرنامج الصاروخي الإيراني أو دعم طهران لجماعات المقاومة.
إن التداخل المحموم بين العمليات العسكرية الميدانية والحراك الدبلوماسي الجاري يضع مسار الاتفاق الوشيك امام تحديات وجودية تتجاوز في تعقيدها بنود التفاوض التقليدية، حيث بات من الواضح ان القصف المكثف الذي يطال العاصمة بيروت وتحديداً الضاحية الجنوبية يمثل رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز في ابعادها الميدانية حدود المواجهة المباشرة لتصل الى صلب العملية التفاوضية ذاتها. ان هذا التصعيد ياتي في لحظة دقيقة يبحث فيها كل طرف عن تعزيز اوراقه التفاوضية، مما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الاتفاق على الصمود امام الوقائع التي تحاول اسرائيل فرضها على الارض لمنع او تعطيل اي توافق اميركي ايراني قد يغير موازين القوى في المنطقة.
إن استمرار هذا المستوى من العمليات العسكرية يشير الى وجود فجوة حقيقية بين التطلعات السياسية في واشنطن والاجندة العسكرية التي تمارسها الاطراف المعنية في الميدان، وهو ما يؤدي بالضرورة الى تعقيد مسار التوقيع الذي بات بالفعل على كف عفريت. ففي الوقت الذي يسعى فيه الرئيس ترامب الى تقديم هذا الاتفاق كمكسب شخصي وخطوة استراتيجية كبرى، تدرك طهران ان التزام واشنطن بالاتفاق يظل مشروطاً بمتغيرات داخلية واقليمية لا تضمن بالضرورة حماية مصالحها في حال استمر الضغط الميداني. هذا الوضع يجعل من اتفاق الضرورة المزعوم عرضة للاختبار في كل لحظة، خاصة وان التصعيد في الضاحية يهدف الى ارباك القيادة الايرانية وحلفائها واجبارهم على اتخاذ مواقف دفاعية قد تفسرها واشنطن كخرق لروح التهدئة، ما يعيد الامور الى مربع التوتر الاول.
من جانب اخر، فان الموقف الايراني يتسم حالياً بقدر عال من الحذر والترقب، حيث تسعى طهران للموازنة بين حماية سيادتها ومكتسباتها في الاتفاق وبين ضرورة الحفاظ على شبكة نفوذها الاقليمي، لا سيما في لبنان. ان الردود الايرانية على التصعيد الاسرائيلي، سواء كانت مباشرة او عبر حلفائها، تخضع لمعايير دقيقة تهدف الى الحفاظ على توازن الردع دون الانزلاق الى مواجهة شاملة تنسف الجهود الدبلوماسية التي تهدف في جوهرها الى رفع الحصار والبدء بمسار اعادة الاعمار. هذا التوازن الدقيق هو ما يفسر حالة الرد المنضبط التي قد نشهدها في المرحلة المقبلة، فهي رسالة تحذيرية للطرف الاميركي بضرورة ضبط سلوك حلفائه في المنطقة، وفي الوقت ذاته، هي تأكيد للداخل الايراني بان الاتفاق لا يعني التخلي عن الثوابت الاستراتيجية.
مسار توقيع الاتفاق يبدو اليوم وكأنه سباق مع الزمن ضد التصعيد الميداني، فكل ضربة عسكرية جديدة تزيد من احتمالات الفشل وتفتح الباب امام تعقيدات تقنية وسياسية اضافية. ان تحويل الضاحية الى ساحة استهداف يعكس رغبة في خلق وقائع جديدة تسبق التوقيع، لضمان ان يكون اي اتفاق قادم منقوصاً او مشروطاً بابعاد معينة تخدم المصالح الاسرائيلية وتحد من النفوذ الايراني. ومع ذلك، فإن واشنطن تبدو مصرة على المضي قدماً في مسارها الخاص، مدركة ان الفرصة التاريخية المتاحة قد لا تتكرر، وان كلفة الفشل في التوصل الى اتفاق ستكون باهظة على المستوى الجيوسياسي، ما يجعل الادارة الاميركية امام معضلة حقيقية تتمثل في كيفية ادارة حلفائها في المنطقة دون ان يخرج المشهد عن السيطرة.
التوتر الراهن الذي تشهده الساحة اللبنانية والعمليات الميدانية المتصاعدة لا تعدو كونها ذروة التجاذبات التي تسبق لحظة الحسم، حيث تحاول كل الاطراف استنفاد كافة الوسائل المتاحة لتحسين شروط التفاوض. ان مستقبل هذا الاتفاق يتوقف الان على مدى قدرة واشنطن وطهران على عزل المسار الدبلوماسي عن الضجيج العسكري، والالتزام بضبط النفس رغم الاستفزازات. ان الوصول الى اتفاق نهائي في ظل هذه الظروف يتطلب ارادة سياسية صلبة قادرة على تجاوز الانتكاسات الميدانية والتركيز على الاهداف الاستراتيجية الكبرى، وهو ما يظل حتى الان رهن الاحتمالات القائمة، بانتظار ما ستؤول اليه الايام القليلة المقبلة من نتائج ملموسة على طاولة المفاوضات.



