إقتصادمصارف

أموال العراقيين في لبنان وعد سياسي بلا عودة.. فهل ينتظرها الشطب ؟(عماد عكوش)

 

بقلم د.عماد عكوش – الحوارنيوز

 

ظل لبنان لعقود وجهةً مفضلةً لرؤوس الأموال العربية والأجنبية، بفضل نظامه المصرفي المتطور وسرّيته المصرفية التي تأسست عام 1956. وقد جذبت هذه البيئة ودائع كبيرة من العراقيين والسوريين ، قدرت بعض التقديرات الودائع العراقية بنحو 10  مليارات دولار ، بينما تراوحت تقديرات الودائع السورية بين 20 و40 مليار دولار وفق تصريحات رسمية ، وإن كانت أرقاماً يرى خبراء أنها مبالغ فيها .  لكن الأزمة المالية والاقتصادية غير المسبوقة التي عصفت بلبنان منذ 2019 ، وضعت مصير هذه الأموال وسبل استردادها على طاولة البحث الجادة ، مع تصاعد الضغوط المحلية والدولية لكشف الفساد واستعادة ثقة المودعين والمجتمع الدولي .

لقد شهدت الساحة اللبنانية تطوراً تشريعياً مهماً في نيسان 2025 ، حيث أقر مجلس النواب اللبناني تعديلات على قانون السرية المصرفية ، استجابةً لمطلب رئيسي لصندوق النقد الدولي . وتمثلت أبرز هذه التعديلات في :

  •      تخويل الهيئات الرقابية (مصرف لبنان، لجنة الرقابة على المصارف، المؤسسة الوطنية لضمان الودائع) حق الحصول على كامل المعلومات المصرفية ، بما في ذلك أسماء أصحاب الحسابات ، دون ربط ذلك بهدف محدد .
  •      إعطاء أثر رجعي يمتد لعشر سنوات من تاريخ إقرار القانون (أي منذ 2015) ، بدلاً من الاقتصار على تاريخ قانون 2022 ، مما يسمح بالتدقيق في الفترة التي سبقت انهيار 2019.

ان القانون الجديد يمنح الهيئات الرقابية صلاحية الوصول إلى المعلومات المصرفية لجميع المودعين ، بغض النظر عن جنسيتهم ، وذلك لأغراض إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتقييم الخسائر . لكن من المهم التمييز بين:

  •      الوصول الإداري :  لمصلحة مصرف لبنان والجهات الرقابية في سياق إعادة الهيكلة ، وهذا مسموح به بموجب القانون الجديد.
  •      الكشف القضائي أو العام: لأغراض الملاحقة الجنائية أو تسليم المعلومات لدول أجنبية ، وهذا يتطلب إجراءات قانونية إضافية ، وغالباً ما يكون مقيداً باتفاقيات المساعدة القضائية المتبادلة.

عليه ، لا يمكن القول بأنه يمكن رفع السرية عن كل العراقيين بشكل مطلق وعشوائي ، بل سيجري تسهيل وصول الجهات الرقابية إلى حساباتهم في إطار إصلاح القطاع . أما الكشف لأغراض أخرى فلا يزال يحتاج إلى مبررات قضائية واضحة . وقد شدد وزير المال ياسين جابر على أن “السرية المهنية باقية… لا يجب أن نعتقد أنه بهذا القانون يمكن لأي كان أن يدخل إلى مصرف ويطلب حساب أي شخص كان” .

ان التعديلات الحالية ، وإن كانت خطوة إلى الأمام ، لم ترفع السرية المصرفية بالكامل ، بل وسّعت دائرة المستفيدين من المعلومات لتشمل الهيئات الرقابية فقط . لذا إذا كان الهدف هو الوصول إلى أموال الفاسدين (سواء كانوا عراقيين أو سوريين أو لبنانيين) بغرض المصادرة أو الملاحقة الجنائية ، فإن القانون الحالي قد لا يكون كافياً ، وقد يتطلب الأمر إما تعديلات إضافية تسمح بتوسيع دائرة الكشف ، أو اللجوء إلى آليات قانونية أخرى كالنيابة العامة المالية ، أو القضاء ، أو الطلب عبر الإنتربول .

لذلك فأنه في ظل الإطار القانوني الحالي، يمكن تحديد مسارين رئيسيين، لكل منهما مزاياه وحدوده:

المسار الأول: المسار الرقابي – إعادة الهيكلة 

  •      الآلية: الاستفادة من صلاحيات مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بموجب التعديل الجديد، للاطلاع على جميع الحسابات والأسماء، وتصنيف الودائع وتقييمها في سياق إعادة هيكلة المصارف.
  •      الميزة: هذا المسار متاح فوراً، ولا يتطلب تشريعات إضافية.
  •      العيب: استخدام المعلومات يقتصر على الغرض الرقابي والمالي، وليس بالضرورة أن يؤدي إلى ملاحقات قضائية أو استرداد الأموال للخارج، إلا إذا تم تبادل المعلومات مع السلطات القضائية في إطار قانوني.

المسار الثاني: المسار القضائي – الملاحقة الجنائية 

  •      الآلية: تقديم شكاوى جزائية في لبنان (أو في دول أخرى) ضد أشخاص محددين متورطين في الفساد أو تبييض الأموال، مع طلب رفع السرية عن حساباتهم تحديداً كجزء من التحقيق.
  •      الميزة: هذا المسار هو الوحيد الذي قد يؤدي إلى تجميد الأموال ومصادرتها وإعادتها إلى أصحابها الشرعيين .
  •      العيب: يتطلب أدلة أولية قوية وموثقة ، وتعاوناً قضائياً مع السلطات اللبنانية ، وهو ما قد يكون بطيئاً ومعقداً ، خاصة في غياب اتفاقيات قضائية قوية مع بعض الدول . كما أن القضاء اللبناني لا يزال يواجه تحديات في محاكمة كبار المسؤولين والفاسدين.

وهنا يبرز سؤال أساسي وهو هل وعود رئيس الحكومة اللبنانية للحكومة العراقية بشأن استعادة الأموال قابلة للتطبيق؟

يجب النظر إلى هذا الأمر من زاويتين:

الزاوية الأولى: الجدوى القانونية والإجرائية

  •      ما يمكن فعله :  يمكن للحكومة اللبنانية ، عبر مصرف لبنان والجهات الرقابية ، كشف حجم الودائع العراقية في المصارف اللبنانية ، وهو ما يعد تقدماً كبيراً بموجب القانون الجديد.
  •      ما لا يمكن فعله :  لا تستطيع الحكومة اللبنانية بمفردها “إعادة” هذه الأموال إلى العراق .  ذلك أن الأموال هي ودائع لأفراد ومؤسسات وليست كلها فاسدة ، وهي محمية بقوانين الملكية والعقود . إعادة الأموال تتطلب إما موافقة أصحابها ، أو أحكام قضائية تثبت أنها أموال فاسدة وتمت مصادرتها. هذا مسار طويل ومعقد.

الزاوية الثانية: العقبات الواقعية

  •      الخسائر المالية :  تقدر خسائر القطاع المصرفي اللبناني بنحو 72  مليار دولار .  جزء كبير من هذه الخسائر سيتم تحميله للمودعين ، بما في ذلك العراقيون ، من خلال خطط إعادة الهيكلة التي تتضمن “شطب” جزء من الودائع التي تتجاوز مئة ألف دولار.
  •      غياب الضمانات: حتى لو تم كشف الأموال ، فلن تتمكن الحكومة العراقية من استعادتها قبل التوصل إلى اتفاق مع الحكومة اللبنانية حول كيفية توزيع الخسائر ،  وهو أمر لم يحصل بعد.
  •      التحدي الداخلي :  القوى السياسية والمصرفية النافذة في لبنان ليست متحمسة للكشف الكامل ، وهناك حملات لتقويض القانون عبر البرلمان خوفاً من كشف تحويلات غير قانونية وتورط شخصيات سياسية.

في الخلاصة وعود رئيس الحكومة قابلة للتطبيق جزئياً من ناحية كشف المعلومات، لكنها غير قابلة للتطبيق عملياً على صعيد إعادة الأموال في المدى القريب، بسبب التعقيدات القانونية والمالية والضغوط الداخلية. يمكن النظر إليها على أنها “وعود سياسية” أكثر منها خطط تنفيذية ، تهدف لاسترضاء المجتمع الدولي والعراق.

يمثل تعديل قانون السرية المصرفية في لبنان خطوة رمزية وقانونية مهمة ، لكنها ليست كافية وحدها لاستعادة الثقة أو لاسترداد أموال العراقيين . إنه مفتاح فتح الباب ، ولكن الدخول إلى الغرفة وإعادة ما فيها يحتاج إلى إرادة سياسية ، وقضاء مستقل ، وحلول جذرية للأزمة المالية.

الرسالة إلى المودعين العراقيين هي أموالكم في مهب الريح ، وقد خسرت جزءاً كبيراً من قيمتها ، وحتى إذا كُشفت هوياتكم ، فسيكون مصيرها على الأرجح الخضوع لعملية شطب وإعادة هيكلة قاسية ، ما يعني أنكم لن تستعيدوها كاملة . الاسترداد الكامل هو وهم في ظل الأزمة الحالية.

لذلك نقول للمسؤولين العراقيين بأن  التركيز على الجهود الدبلوماسية والقضائية المباشرة مع لبنان ، والمشاركة في عملية إعادة الهيكلة لمنع تحميل ودائعكم خسائر غير متناسبة ، هو الأكثر جدوى من انتظار وعود سياسية غير قابلة للتنفيذ. في النهاية ، رفع السرية المصرفية هو “جراحة” للكشف عن المرض (الفساد والهدر)، لكن العلاج الحقيقي يتطلب تغييراً في بنية الاقتصاد السياسي اللبناني برمته ، وهو ما لا يزال بعيد المنال.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى