هل تعيد الإنتخابات الأخيرة هيكلة النظام الأميركي ؟ ( أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
بعد فوز القائمتين العربيتين في الكيان الصهيوني بتسعة عشر مقعداً في انتخابات الكنيست الأخيرة، وفوز عدد من المرشحين من أصول عربية وإسلامية في انتخابات مجلس النواب والشيوخ الأمريكيين الأسبوع الماضي، وكذلك فوز عدد معتد به منهم في انتخابات الولايات سواء حكاماً أو قضاة أو غير ذلك، تذكرت ما كان يردده على أسماعنا أحد الدكاترة المصريين أثناء دراستنا للهندسة في جامعة بيروت العربية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
دكتور مادة الدوائر الكهربائية مظهر طايل كان يتحدث في السياسة على عكس معظم الدكاترة الآخرين الذين كانوا لا يبدون رأياً في الأحداث السياسية يومها، وكان الدكتور مظهر مؤيداً بشدة لاتفاقية السلام مع العدو الصهيوني، ويدافع بشراسة عن الرئيس أنور السادات وذهابه إلى القدس وعقده اتفاقية كامب دايفيد مع رئيس وزراء العدو يومها مناحيم بيغن، ولقد كان ذلك يومها من المحذورات على الساحة اللبنانية حيث كانت مصر منبوذة من قبل الشعوب العربية التي كانت تعتبر أن السادات خان الأمة العربية والقضية الفلسطينية بتوقيعه هذا الاتفاق، وكانت العلاقات الدبلوماسية مقطوعة بينها وبين الدول العربية كافة.
أكثر من ذلك كان الدكتور يروج لفكرة الاندماج بين العرب في فلسطين وبين اليهود بشكل كامل، رافضاً فكرة الدولتين المنفصلتين – حيث كان الحديث يومها عن دولة فلسطينية على كامل الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية – وكذلك كان يدافع عن فكرة السلام مع العدو الصهيوني من منطلق أن انفتاح الدول العربية على اليهود في فلسطين سيجعلهم أقلية ويضيعون في هذا البحر العربي الواسع.
نعود لفكرة الدولة الواحدة التي تجمع الفلسطينيين العرب واليهود، حيث كان يعتبر أن الديموغرافيا ستلعب لصالح الفلسطينيين على المدى الطويل، حيث نسبة الولادات العربية هي دوماً في ارتفاع، مقابل تدني أو ثبات نسبة الولادات اليهودية، ومع مرور الزمن سيعود الفلسطينيون العرب ليكونوا أكثرية، وبالتالي ستكون لهم الكلمة العليا في هذه الدولة. طبعاً كنا ننظر لكلامه يومها نظرة استغراب واستهجان، وننسج في أحاديثنا الكثير من القصص والروايات حوله، وبالطبع كنا نرفض ونعترض على كل مقولاته ونتهمه أنه يتعاطف مع الصهاينة، والبعض اتهمه بالعمالة لهم وقالها له بشكل مباشر. لكن مع ذلك كله كانت علاقتنا به جيدة، واستمرت حتى تخرجنا من الجامعة وعودته إلى جامعته الأم في الإسكندرية في مصر.
في الانتخابات الأخيرة في الكيان الصهيوني يبدو أن ما كان يقوله الدكتور مظهر أقرب إلى التحقق ولو بنسبة معينة، فقد فاز الفلسطينيون العرب بما نسبته سدس أعضاء الكنيست، ولو سارت الأمور كما كان يشتهي لكانت نسبتهم اليوم تبلغ النصف أو أكثر.
اليوم يبدو المشهد في أمريكا والغرب قريباً من وجهة نظر الدكتور مظهر، وهذا ما حذر منه ترامب أوروبا بالأمس، حيث لأول مرة يتحدث ترامب بكلام واضح وصريح، ولا يردفه بتصريح مضاد أو مخالف له كعادته. فقد حمّل ملف الهجرة مسؤولية الفوضى والاضطرابات التي شهدتها فرنسا إلى المهاجرين، وحث باريس على إغلاق حدودها قبل فوات الأوان. وربط الاحتجاجات بالهجرة معتبراً أن التظاهرات وأعمال الشغب في فرنسا ناتجة عما وصفه بـ “الهجرة غير المضبطة” أو الهجرة الجماعية، مؤكداً أن ما يحدث مرتبط بالإسلام ورغبته في السيطرة بحسب تعبيره. ونشر على منصة “تروث سوشيال” أن “الهجرة مزقت دولة كانت عظيمة”، معتبراً أن باريس تتحول إلى “مدينة مسلمة”. كلامه ينبع من المبادئ التي يؤمن بها ومنها منع الهجرة إلى أمريكا سواء هجرة أبناء أمريكا الجنوبية أم غيرها من القارات لا سيما هجرة المسلمين من آسيا وأفريقيا.
ما حصل في أمريكا أخيراً يتجاوز منطق الحزبين الجمهوري والديمقراطي حيث يميل أغلب المحللين إلى أن الحزبين يؤديان سياسة واحدة في المجمل، ويخدمان مشروعاً واحداً كلٌ بطريقته. وفي هذا الكثير من الصحة، لكن الانتخابات أظهرت أن الحزبين لم يعد بإمكانهما السيطرة على الجيل الجديد من الشباب الأمريكي، وأن الشباب الأمريكي العربي والمسلم قد استطاع قيادة حملة توعية على مستوى الوطن الأمريكي، بحيث أن كثيراً من الشعارات التي كان الحزبان قد رسّخاها في لا وعي المجتمع الأمريكي قد أثبت الجيل الجديد بطلانها.
ففيما كان رضا اللوبي الصهيوني هو الذي يمهد الطريق للوصول إلى السلطة، أصبح الابتعاد عنه هو الذي يرضي شباب المجتمع الأمريكي. وفيما كانت الحروب الخارجية هي مظهر قوة أمريكا في العالم تبين أن ذلك مصدر خلخلة النظام الاقتصادي الأمريكي. وفيما كان دعم كيان العدو الصهيوني هو أساس المعركة بين الحزبين، أصبح التخلي عن دعمه ومساندته هي الورقة الرابحة لأصوات المجتمع الأمريكي.
لأول مرة يمكن الحديث عن التغير والتغيير في المجتمع الأمريكي، وفي قاعدة كلا الحزبين الحاكمين. وهذا ما يؤشر إلى إمكانية وصول قادة جدد، وإن تحت مسمى هذين الحزبين، لكنهم يحملون أفكاراً تجديدية قد تعيد صياغة أولويات أمريكا الداخلية، وترسم معالم سياسة خارجية بعيدة كل البعد عما شهدناه خلال السنوات الماضية.
قد تكون نبوءة صموئيل هنتنغتون بأن الحضارة الإسلامية هي مصدر الخطر المستقبلي على الحضارة الأمريكية الغربية – لذا أوصى بالعمل على تفتيت الدول العربية والإسلامية حتى لا تشكل وحدة مستقلة بذاتها – قد يكون في هذه النبوءة شيء من الصحة، لكن ما لم يتوقعه هنتنغتون أن الخطر هذه المرة لن يكون من خارج الحضارة الغربية، بل من داخلها، بحيث أنه وعلى المدى المستقبلي يمكن أن تؤول قيادة الحضارة الغربية إلى رجال يحملون فكر وتطلعات الحضارة الإسلامية.
ما حدث في الكيان الصهيوني وفي أمريكا سيتكرر في العديد من الدول الأوروبية، سواء عبر أشخاص يحملون هموم العالم العربي والإسلامي، أو عبر أشخاص ضاقوا ذرعاً باستغلال قادة أمريكا وأوروبا للتطور التكنولوجي والعلمي لنشر الفوضى والقتل والإجرام، وازدراء القيم الأخلاقية والإنسانية. وكما كان تحالف الجميع في الكيان الصهيوني ضد مجرم الحرب نتنياهو بعد أن ملّ المجتمع الدولي من إجرامه. وكذا التحالف غير المعلن بين مكونات عديدة في المجتمع الأمريكي لضرب مشروع ترامب الإجرامي والتسلطي، فإن هذا التحالف سيتكرر في أماكن كثيرة من العالم. ولن يُنتج عالماً متعدد الأقطاب كما يرى البعض، بل سينتج عالماً يحترم فيه الإنسان لإنسانيّته قبل أي شيء آخر.
وقبل كل ذلك فإن ما حدث لم يكن ليحدث – حتى لو تحققت آمال الدكتور مظهر وتحول العامل الديمغرافي لصالح العرب في فلسطين – لولا دماء وجراحات عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ في غزة ولبنان وإيران، ولولا صمود رجال المقاومة في غزة ولبنان وإيران واليمن وغيرهم من المستضعفين في العالم.



