غير مصنفمنوعات

التجدد الروحي: من الاستعداد لتغيير المجتمع إلى التمرّس الذاتي في الحياة الجديدة (ميلاد السبعلي)

 

كتب د. ميلاد السبعلي – الحوارنيوز – خاص

“الحزب السوري القومي الاجتماعي هو حركة تجديدية في المناقب والأخلاق، كما في النظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية”.

ويضيف سعاده: «ومع ذلك فقليلون من أبناء التربية اللاقومية، أو من أبناء الفوضى البعيدة عن أية تربية يدركون خطورة هذه الحقيقة ويهيّئون أنفسهم للتجدد الروحي، حتى حين يقبلون على الحزب ويعلنون رغبتهم في الانضمام تحت لوائه وقيادته«.

بهذا الكلام، في مقاله «الحزب السوري القومي الاجتماعي لا يقبل المثالب»، المنشور في «الزوبعة»، العدد 79، بتاريخ 12 آب 1944، يوضح سعاده أن الانتماء إلى النهضة يتطلب استعدادًا لتغيير النفس وطريقة التفكير والسلوك. فالإنسان المقبل عليها يأتي من مجتمع يحمل عاداته وتقاليده وتناقضاته، ومنها ما جاءت النهضة لتغييره. ولذلك يبدأ الانتماء الجدي حين يدرك أنه معني بهذا التغيير، وأن المبادئ التي اقتنع بها ستطال حياته وعلاقاته ومصالحه، كما يريد لها أن تطال المجتمع.

هذا هو معنى التجدد الروحي: أن يصبح الإنسان مستعدًا لمراجعة ما ورثه واعتاد عليه، وللتخلي عن السلوكيات التي تناقض القيم التي اختارها. ثم أن يحوّل هذا الاستعداد، بالتعلم والممارسة، إلى طريقة جديدة في الحياة.

قد يقتنع الفرد بوحدة المجتمع، لكنه يبقى أسير أحكام طائفية أو مناطقية تظهر عند أول خلاف أو مصاهرة. وقد يؤمن بالحرية، لكنه يخشى إبداء رأيه أمام مسؤول، أو يمنع الآخرين من نقده حين يتولى مسؤولية. وقد يتحدث عن المصلحة العامة، ثم يقدم مصلحته الخاصة عندما يقع التعارض بينهما. هذه المسافة بين الاقتناع والممارسة هي المجال الذي ينبغي أن يعمل فيه التجدد الروحي.

ولا تُردم هذه المسافة بمجرد إعلان الانتماء، أو حفظ المبادئ، أو تكرار الأقوال. إنها تحتاج إلى تمرس طويل بسلوكيات الحياة الجديدة وقيمها، حتى تصبح القيم جزءًا من طريقة التفكير والتصرف، وتضعف أمامها العادات القديمة وتندثر مع الوقت.

من المسؤول: المؤسسة أم الرفقاء؟

في مناقشة أسباب التردي، يحمل البعض المسؤولية للمؤسسة والقيادات، فيما يحملها آخرون للرفقاء الذين لم يتخلصوا من أمراض المجتمع القديم. ولكل من الرأيين ما يستند إليه، لكن فهم المشكلة يحتاج إلى تحديد مسؤولية كل طرف، والعلاقة بينهما.

على الفرد أن يهيئ نفسه للتجدد الروحي. أي أن يدخل النهضة مستعدًا لأن يتعلم ويتغير، وأن يقبل مراجعة سلوكه كما يراجع أفكاره. فمن يتمسك بعصبياته ومصالحه وعاداته، ويرفض أن تمسها المبادئ التي يعلنها، يعطل بنفسه إمكان التحول. والانتماء لا يمنحه شهادة بأنه أصبح إنسانًا جديدًا، بل يحمله مسؤولية العمل ليصبح كذلك.

وعلى المؤسسة أن تجتذب العناصر الجيدة القابلة لهذا التجدد، وأن تربيها وتدربها، وتوفر لها البيئة والمساحات التي تتمرس فيها بقيم الحياة الجديدة وسلوكياتها. فهي تستقبل أشخاصًا نشؤوا في المجتمع القديم، ومهمتها أن تساعدهم على اكتساب القدرة على بناء مجتمع جديد.

لذلك لا يصح أن تطلب المؤسسة من المقبل عليها أن يكون قد أنجز التحول القيمي والسلوكي والتجدد الروحي قبل دخوله، ولا أن تتركه بعد انتمائه يواجه تناقضاته لوحده. المطلوب منه الاستعداد الصادق وبذل الجهد، والمطلوب منها أن تنظم هذا الجهد وتدعمه وتوفر شروط نجاحه.

كيف يتمرس الإنسان بالحياة الجديدة؟

يتعلم الإنسان من الشرح والقراءة، لكنه يتعلم أيضًا، وبعمق أكبر، مما يمارسه ويجرّبه كل يوم. ولهذا تحتاج التربية إلى مساحات فعلية يختبر فيها الرفيق معنى القيم التي يتبناها.

يتعلم احترام الرأي حين يشارك في نقاش يستطيع فيه أن يسأل ويعترض، ويستمع إلى جواب يحترم عقله. ويتعلم التعاون حين يعمل مع آخرين على مهمة مشتركة، ويتقاسم معهم المسؤولية والجهد والنتيجة. ويتعلم المصلحة العامة حين يشارك في مشروع يخدم الناس، ويضطر إلى تقديم حاجاتهم على رغبته في الظهور. ويتعلم تجاوز العصبيات حين يبني علاقات ثقة وتعاون مع أشخاص من بيئات مختلفة، بعيداً عن الكليكات أو الفئويات الموروثة أو المستحدثة داخل المؤسسة، ويختبر عمليًا أن قيمة الإنسان في صفاته وعمله.

كذلك يتمرس بالمسؤولية حين يتولى مهمة واضحة، ويتلقى التدريب اللازم لإنجازها، ثم يُسأل عن نتيجتها. ويتعلم قبول النقد حين يرى أن الخطأ يُناقش بقصد تصحيحه، وأن الاعتراف به يفتح طريق التحسن. ويتعلم النزاهة حين يجد أن المال يُدار بشفافية، وأن القواعد تطبق على الجميع، وأن القرب من المسؤول لا يمنح حصانة أو امتيازًا.

بهذا المعنى، تصبح الحياة الحزبية نفسها تربية يومية. فالاجتماع، والنشاط، والعلاقة بين المسؤول والعضو، وطريقة توزيع المهمات، وإدارة المال، ومعالجة الخلافات، كلها فرص للتمرس بالحياة الجديدة، أو لإعادة إنتاج الحياة القديمة.

فإذا سمع الرفيق عن الحرية ثم عوقب لأنه عبّر عن رأيه، تعلّم الصمت. وإذا سمع عن الكفاءة ثم رأى التقدم مرهونًا بالولاء الشخصي، تعلّم التزلف. وإذا سمع عن النزاهة ثم شاهد حماية المتجاوزين، تعلّم أن العلاقات والمحسوبيات أقوى من القواعد. وعندها تصبح الممارسة اليومية أقوى من التربية المعلنة، وتدفعه في الاتجاه المعاكس للتجدد المطلوب.

حين تدخل قيم المجتمع القديم إلى المؤسسة

من الطبيعي أن يحمل المقبلون على النهضة آثار المجتمع الذي نشؤوا فيه. لكن الخطر يبدأ حين تستقر هذه الآثار داخل المؤسسة، وتصبح جزءًا من علاقاتها وقواعدها الفعلية وسلوكياتها ومبادئ حياتها.

تدخل العصبية في صورة جماعة تحمي أفرادها، والطاعة العمياء في صورة انضباط، والتزلف في صورة احترام للمسؤول، والمحسوبية في صورة وفاء للرفقاء. ومع الوقت، تفقد الكلمات معناها، ويصبح السلوك القديم مقبولًا لأنه يرتدي لباسًا حزبيًا.

وقد تتراجع التربية أمام الحاجة إلى الأعداد والحشد والعمل السياسي أو العسكري أو الانتخابي. فيُكتفى من العضو بالحضور والطاعة وتنفيذ المهمات، ويؤجل الاهتمام بتكوينه الفكري والمناقبي والمهني. وحين يطول هذا التأجيل، يصبح التحول أمرًا ثانويًا، ويستطيع الفرد أن يقضي سنوات في التنظيم دون أن تتغير طريقة تعامله مع الناس أو نظرته إلى المسؤولية والمصلحة العامة.

وقد تُختزل التربية نفسها في حفظ النصوص وتكرارها. فيعرف الرفيق ماذا قال سعاده، لكنه لا يتدرب على ترجمة ذلك في حياته. بل قد يستخدم النصوص لإسكات غيره أو إثبات تفوقه عليه، فتتحول المعرفة التي يفترض أن تساعده على التجدد إلى أداة لحماية جموده.

هنا تتحمل المؤسسة مسؤولية أساسية، لأنها أهملت الوظيفة التي تبرر وجودها بوصفها حركة نهضة: مساعدة الإنسان على الانتقال من الاقتناع بالحياة الجديدة إلى القدرة على ممارستها وتجاوز موروثات الحياة القديمة وسلوكياتها.

مسؤولية الفرد لا تسقط

لكن غياب البيئة السليمة لا يعفي الفرد من مسؤوليته. فهو مسؤول عن صدقه، وعن مشاركته في الخطأ أو اعتراضه عليه، وعن استعداده للتخلي عن منفعة حصل عليها على حساب القيم التي يعلنها.

ومن علامات الاستعداد للتجدد أن يقبل الإنسان تطبيق المبادئ على نفسه. فهل يقبل المحاسبة حين تتناول عمله؟ وهل يحترم الكفاءة حين تتيح لغيره تولي موقع كان يطمح إليه؟ وهل يدافع عن حرية رفيقه المختلف معه؟ وهل يراجع موقفًا موروثًا حين يكتشف تعارضه مع وحدة المجتمع وكرامة الإنسان؟ هل يبرر تحاوزات القيادة بحجة الحفاظ على بقاء المؤسسة أو دورها في المنافسة مع أطراف أخرى في المجتمع والدولة؟

هذه امتحانات عملية تكشف معنى الانتماء. وكلما تهرب منها الفرد، اتسعت المسافة بين النهضة التي يتحدث عنها والحياة التي يمارسها.

غير أن المؤسسة لا تستطيع الاكتفاء بتوجيه اللوم إليه. عليها أن تسأل نفسها أيضًا: هل دربته؟ هل أتاحت له فرص التمرس؟ هل قدم المسؤولون أمامه نموذجًا ناصعًا أو مقنعًا؟ وهل شجعت السلوك الذي تطلبه منه، أم كافأت نقيضه؟

اجتذاب العناصر الجيدة ورعاية تحولها

تحتاج النهضة إلى القدرة على اجتذاب أشخاص لديهم الصدق والاستعداد للتعلم والعمل والتغيّر والتغيير. وهذه الصفات تحتاج إلى بيئة تحترمها وتنمّيها.

فصاحب المبادرة يحتاج إلى مساحة يجرب فيها، وصاحب الكفاءة يحتاج إلى فرصة يقدّم من خلالها قدرته، وصاحب الرأي يحتاج إلى من يناقشه. وإذا وجد هؤلاء أن السؤال يثير الشبهة، والمبادرة تزعج أصحاب المواقع، والولاء الشخصي يسبق الجدارة، فقد يبتعدون أو ينكفئون. وبذلك تخسر الحركة بعض العناصر الأقدر على تجديدها.

أما البيئة السليمة، فتربط التربية بالعمل: قراءة ونقاش، وتدريب ومسؤوليات، ومبادرات ثقافية واجتماعية واقتصادية، ومراجعة دورية للتجربة. وهي تتيح للرفيق أن يتقدم تدريجيًا، وأن يخطئ ويتعلم، وأن يكتشف أثر القيم الجديدة في حياته وعلاقاته.

الوجدان القومي: ميزان يرافق الإنسان

ومن أهم ثمار هذا التمرس أن ينمّي الفرد وجدانه القومي، أي ضميرًا قيميًا حيًا يراجع به سلوكياته وقراراته باستمرار. فيسأل نفسه: هل ما أفعله من موروثات المجتمع القديم، أم يعبّر عن قيم النهضة ومناقبها ومعايير الحياة الجديدة؟ هل أدافع عن هذا القرار لأنه يخدم المصلحة العامة، أم لأنه يخدم موقعي أو جماعتي؟ وهل أقبل السلوك نفسه لو صدر عن رفيق أختلف معه؟

تنمو هذه القدرة بالتربية والقدوة والممارسة والمراجعة الصادقة. ودور المؤسسة أن تساعد الفرد على اكتسابها، حتى يستطيع تقييم تصرفاته وتصحيحها من تلقاء نفسه، بما في ذلك حين لا يراقبه أحد، أو حين يشجعه المحيط على سلوك خاطئ. عندها تصبح قيم النهضة ميزانًا داخليًا يحتكم إليه، ويظهر أثر التجدد الروحي في قدرته على الاعتراف بخطئه، وتغيير موقفه، والتخلي عن منفعة تناقض ما يؤمن به.

هل نخشى انتصار ما نؤمن به؟

حين يبقى التجدد الروحي مؤجلًا، قد يصل التناقض إلى حد أن يخشى الرفيق بعض نتائج انتصار قضيته. يرحب بالمحاسبة ما دامت بعيدة عنه أو عن الفئة أو الكليك داخل المؤسسة التي يشترك معها، وبالكفاءة ما دامت لا تهدد موقعه، وبتجاوز العصبيات ما دام لا يمس خياراته وعلاقاته الخاصة.

وقد يرتاح عندها إلى اختزال النهضة في نجاح سياسي أو انتخابي أو عسكري، يستطيع تأييده دون أن يغير شيئًا في نفسه. أما نجاحها في تغيير القيم والسلوكيات، فيطال ما اعتاده وما يستفيد منه، فيقاومه ولو لم يعترف بذلك.

من هنا تبدأ أهمية كلام سعاده عن الاستعداد للتجدد الروحي. فالمقبل على النهضة مدعو إلى قبول أن تغيّره المبادئ التي يريد تغيير المجتمع بها. والمؤسسة مدعوة إلى أن تجعل هذا التغير ممكنًا، من خلال التربية والتدريب والقدوة والتمرس اليومي بالحياة الجديدة.

وحين تجتمع إرادة الفرد مع بيئة تساعده على النمو، يصبح الانتماء مسارًا حقيقيًا للتحول. وعندها يستطيع الرفيق أن يعمل لانتصار قضيته وهو مستعد لأن يحيا نتائج هذا الانتصار، في نفسه وبيته ومؤسسته، كما يريد أن يراها سائدة في مجتمعه.
* رئيس مؤسسة سعادة للثقافة/ رئيس ومدير عام Global Education

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى