صوتك إلنا وسهرك عنا…بس ممنوع تسكن حدّنا! ( ريما فرح)

كتبت د.ريما فرح – الحوارنيوز
لا أدافع ولا أهاجم. أقرأ فقط المشهد: حملة مستجدّة تصبّ في خانة التحريض وتخويف المسيحيين، وغاياتها يفضحها توقيتها. فجأة، صار شراء لبناني شيعي عقارات في بعبدات ومحيطها زحفاً إيرانياً، وصارت وزارة المالية غرفة عمليات لتغيير الديموغرافيا. اكتملت المؤامرة… ولم يبقَ سوى إقناع التواريخ بها!
فالبيوع المشار إليها تعود إلى أعوام ٢٠٠٩–٢٠١١، باستثناء عقار واحد بيع عام ٢٠٢١، فيما تولّى الشيعة وزارة المالية عبر تعيين علي حسن خليل عام ٢٠١٤. يعني، بحسب عباقرة الحملة، أمسك بالوزارة ليسهّل بيوعاً حصلت قبل وصوله إليها بسنوات! لهذه الدرجة إيران متقدّمة؟ الغالبية ما زالت عاجزة عن إنجاز معاملة في موعدها، وهم ينجزونها في الماضي!
أمّا العقار الذي بيع يتيماً في العام ٢٠٢١، فناقشوا وقائع بيعه…
فالوقائع والقانون يقولان صراحة: مذهب المشتري ليس مخالفة عقارية، والصراخ لا يتحوّل إلى دليل مهما ارتفع منسوبه. والورقة التي تلوّحون بها أمام الكاميرات، قرّبوها قليلاً لنقرأها. المستند يُعرَض، ولا يُستعمل مروحةً لنفخ الفتنة!
أنا المسيحية لم أوكّل أحداً إخافتي من مواطن لبناني، ولا أحتاج إلى سمسار رعب يشرح لي كيف أحافظ على وجودي. والدستور يقول: “أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين”. ولم يجعلها مجموعة أقفاص طائفية، لكلّ منها بوّاب يفحص مذهب الداخلين.
لكن، ما دمتم مصرّين، فمنطقكم يفرض أن نذهب إلى آخر هذه العبقرية: نسكّر المناطق بالكونسرتينا، ونضع حواجز على مداخل جونية وكسروان وفقرا وبرمانا والبترون. ممنوع على الشيعة والمسلمين دخول المطاعم والمنتجعات. وعند الحجز، بدل “طاولة لكم شخصاً؟” نسأل: “من أيّ طائفة حضرتك”؟. وقبل تسليم غرفة الفندق: إخراج قيد، وشهادة عماد، وإفادة بأنّ الجدّة لم تتزوّج من خارج الملّة!
ولنفرز السوبرماركت أيضاً: طحيننا إلنا وخبزكم إلكن. حمّص مسيحي وفول مسلم، زيت وزعتر وفق التوزيع الطائفي، ومعمول يخضع للتدقيق في هوية حشوته. ونفصل الملابس: هذا البنطلون من جماعتنا، وذاك القميص مشكوك في انتمائه. أمّا اللبنة، فنوقفها على الحاجز حتى نعرف طائفة البقرة!
وبعد الاطمئنان إلى عقيدة الأجبان، احسموا لنا هذا اللغز: الاختلاط بين اللبنانيين انفتاح حين يدخل بيوت الزعامات، وتغيير ديموغرافي حين يدخل السجلّ العقاري؟ العيش المشترك امتياز للزعيم ومؤامرة على الجمهور؟ أم أنّ المطلوب من المسيحي أن يخاف ممّن يجالسه زعيمه ويزاوجه ويشاركه مصالحه؟
وبالمناسبة، أين تختفي هذه الغيرة حين يقترب موسم الانتخابات، ويصير باب المرجعيات الشيعية محجّةً لنواب المتن وجبيل وكسروان وجزين وبعبدا والزهراني وزحلة والبقاع الغربي وبعلبك والهرمل ومرشّحيها، طلباً لأصوات الناخبين الشيعة؟ يومها يصبح الشيعي شريكاً في العيش المشترك، وصوته ضمانةً للتوازن، و”أهلنا” لازمةً في كلّ خطاب. أمّا إذا اشترى بيتاً، فتُقرَع أجراس الخطر!
يعني الشيعي مقبول في صندوق الاقتراع، مرفوض في السجلّ العقاري؟ صوته بيعمّر زعامتكم، وبيته بيهدّد وجودكم؟ بدّكن يملّككن كرسي أربع سنين… بس ممنوع يتملّك بيت!
وأمّا جوقة الهوّاشين، فمَن بدّل منهم مديحه بالأمس إلى تخوين اليوم، لا يحتاج إلى مناظرة؛ يحتاج إلى إعادة بثّ. ضعوا الأرشيف إلى جانب البثّ المباشر، واتركوا صاحب الصوت يردّ على نفسه!.
وقبل إحصاء طوائف المشترين، نسأل حماة الوجود: ماذا فعلتم ليبقى المسيحي في أرضه؟ كم شاباً وفّرتم له مستقبلاً، وكم عائلة تركتم لها خياراً غير بيع البيت والرحيل؟ أم أنّ المطلوب أن يهاجر المسيحي بصمت، لتتفرّغوا أنتم للصراخ على طائفة مَن اشترى منزله؟
ولأن المسلم مسلماً، شيعياً كان أم سنياً، هل تشمل هذه الغيرة أموال الخليج “الإسلامية” التي تدر على بعض “الشاشات والحناجر الغيارى” ، وعلى عددٍ لا بأس فيه من زعاماتكم؟ أم أنّ المال يحصل عند الوصول على إعفاء من الفحص الطائفي؟ المسلم على باب المطعم خطر ديموغرافي، وعلى باب الاستثمار فرصة اقتصادية، وفي موسم الانتخابات أخٌ عزيز!
يا حُرّاس “الطائفة”، يبدو أنّ المشكلة ليست في المسلم الذي اشترى، بل في أنّ الصفقة تمّت بين مواطنين، من دون المرور بمكتب الوصاية على خوف الناس. وأمّا أبواق الحرّاس، فمهمّتها أن يرتفع النباح كلّما أشار صاحب الصفّارة.
وقبل إطلاق الصفّارة، مرّوا على مقاهي برمانا وفقرا والبترون ومطاعمها، التي كأنّها جمعت مصطافي لبنان كلّه، واسألوا أصحابها إن كانوا يريدون فحص طوائف الزبائن قبل تقديم الفاتورة! أم أنّ المسلم حين يحجز طاولة ينعش الاصطياف، وحين يشتري بيتاً يغيّر الديموغرافيا؟
يعني أهلاً وسهلاً فيك… بس قوم قبل ما تصير جارنا! مصرياتك بتنعش المنطقة، وصوتك بينجّح الزعيم، أمّا إنت فبتهدّد الوجود!.
ودمتم سالمين…



