رأي

معرض الكتاب في بيروت: حين تفقد النخبوية معناها (اسامة مشيمش) 

 

بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز

أثناء زيارتي لمعرض الكتاب في بيروت، هذا الحدث الذي أصبح تراثًا ثقافيًا ومعلمًا من معالم العاصمة، وملتقى سنويًا للنخب الفكرية والثقافية في لبنان، أصرّ على استخدام كلمة «النخبويين»، لا من باب التوصيف العابر، بل لأن لهذه الكلمة عندي معنى يتجاوز المظهر الاجتماعي إلى جوهر الدور الذي يفترض أن تؤديه النخب في مجتمعاتها.

في المعرض، التقيت مصادفةً بمجموعة من الأصدقاء الذين اعتدنا، عامًا بعد عام، أن نزوره معًا. لقد أصبح هذا الموعد بالنسبة إلينا طقسًا سنويًا وشعيرة ثقافية ننتظرها بشغف، لأسباب وذكريات لا يتّسع المجال لذكرها هنا. وبين الوجوه التي اعتدنا رؤيتها، انضمّ إلينا شاب جديد، تذكّرت، وأنا أستقبله، صديقين آخرين غابا عن هذا اللقاء، بعدما أصبحا في عداد الشهداء الذين قضوا في معارك جبل عامل. وهكذا، امتزجت فرحة اللقاء بمرارة الغياب، واستحضرنا في لحظة واحدة ذاكرة الأصدقاء الذين كانوا يومًا جزءًا من هذه الرحلة السنوية.

وبحماسة الشاب الوافد حديثًا إلى شلّتنا، قال مخاطبًا إيّانا، نحن المخضرمين في زيارة المعرض: «ما أجمل هذا الحدث! إنه رائع ومميّز، ويجمع كل المثقفين في لبنان».

استوقفتني عبارته، ووجدتني أجيبه، ونحن على أبواب المغادرة: اسمع يا سيد إبراهيم، إن المثقف ليس مجرد شخص يقرأ الكتب، أو يرتاد المعارض، أو يجلس في مجالس النخب. المثقف الحقيقي هو الإنسان الفطن، الذي يمتلك سرعة البديهة، ويستطيع استشراف المشكلات قبل وقوعها، ويسعى إلى تجنّبها، وإذا وقعت، بادر إلى البحث عن أسبابها ووضع الخطط والحلول لمعالجتها من جذورها.

فالثقافة، في جوهرها، ليست زينة اجتماعية، ولا شهادة تُعلّق على الجدران، ولا حضورًا موسميًا في المحافل. إنها وعي ومسؤولية وموقف أخلاقي، وشجاعة في قول الحقيقة والدفاع عن حقوق الناس، ولا سيما حين تتعرّض هذه الحقوق للانتهاك.

أما ما نشهده اليوم، فهو أن بعض الذين يُقدَّمون بوصفهم نخبًا ثقافية قد ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أدوات في خدمة السلطة، طلبًا لمصالح شخصية ضيقة، أو حفاظًا على امتيازات ومواقع، فيما يغضّون الطرف عن سرقة المال العام ونهب مقدّرات الشعب، وعن الظلم الذي يُمارَس بحق الناس، وصولًا إلى التواطؤ مع عدوان خارجي يهدّد الوطن وأهله.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: حين يتحوّل المثقف من ضمير للمجتمع إلى شاهد صامت على مآسيه، ومن صوت للمظلومين إلى غطاء للمعتدين، فإنه يفقد جوهر رسالته، مهما امتلك من شهادات وألقاب، ومهما تكرّر حضوره في المعارض والندوات والمؤتمرات.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يمنح صفة النخبة لمن لا يستحقها، وأن يتخذ من أصحاب المصالح الضيقة قدوةً للأجيال. فالنخبوية ليست امتيازًا اجتماعيًا، بل استحقاق أخلاقي وفكري، يُقاس بمقدار ما يقدّمه الإنسان لمجتمعه، وبمدى انحيازه إلى الحق والعدالة والكرامة الإنسانية.

لذلك، لا يكفي أن نلتقي سنويًا في معرض الكتاب، ولا أن نحتفي بالثقافة في المناسبات. السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل بما نقرأ؟ وأين نقف حين يُظلم شعبنا وتُنهب أمواله وتُهدَر كرامته؟

فالمثقف الذي لا ينتصر للحق حين يكون الانتصار له مكلفًا، قد يكون قارئًا بارعًا، لكنه لم يرتقِ بعد إلى مرتبة المثقف الذي يحتاج إليه المجتمع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى