الجولان المحتل بين حافظ الأسد وأحمد الشرع (أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
هل يكرر التاريخ نفسه؟
سؤال حيّر العلماء والفلاسفة، واختلفت إجاباتهم وتنوعت بين من يرى أن الأحداث التي مضت لا تتكرر، إذ إنها وجدت في زمان ومكان محددين، وتحت ظروف معينة، وبيئة اجتماعية أثرت في صياغة ذلك الحدث على النحو الذي تم عليه، وبين من يرى أن التاريخ يمكن أن يكرر نفسه، لكن ليس بالواقعة ككل، بل بأجزاء منها، خصوصاً إذا تمعنا في تفاصيلها، فأساليب الحكام الظلمة هي نفسها تتكرر في مناطق مختلفة وفي أزمنة مختلفة، وكذلك مشاهد الحروب والقتل والدمار، فيمكن أن تتكرر بوصفها جزءاً من المعارك. وكذلك مشاهد الانتفاضات الاجتماعية، لأن معاناة الشعوب تتشابه، لذا فالأحداث التاريخية المرتبطة بها تبدو متشابهة إلى حد بعيد.
في رواية “الفهد” لجوزيبي تومازي دي لامبيدوزا، يقول بطل القصة روسو للأمير الذي يسأله عن أسباب انضمامه للثورة ضد الملكية: “لم نعد نطيق الحالة: تفتيش، استجوابات، تقليب بيوت لأقل سبب، وحواجز عند زاوية كل بيت. لم يعد الإنسان الكريم يستطيع أن ينصرف إلى شأنه. أما بعد – أي بعد أن تنتصر الحركة – فإننا سننعم بالحرية والأمن وتخفيف الضرائب، وسهولة العمل وحرية التجارة”. هذا النص يمكن أن نراه يتكرر في كثير من بلدان العالم، فإذا كان هذا المستبد يختلف عن ذلك المستبد، فإن محتوى الاستبداد واحد تقريباً.
يضرب مثل الحروب والظلم والاستبداد دوماً، لأن التاريخ الذي يُكتب في أغلبه يعالج هذه القضايا التي لها تأثير عميق في وجدان الناس والمجتمع. هذا التوق للحرية والأمن والسلام الذي ذكره دي لامبيدوزا في روايته “الفهد” يمكن أن نكرر كتابته في رواية عن “الأسد”، لكن هذه المرة رواية تحكي عن واقع حصل في التاريخ القريب.
في موضوع التاريخ بالتحديد، لا يمكن الحكم على نظام ما إلا بعد اكتمال تجربته. أما أنظمة الحكم الحاكمة، فلا يمكن الحكم عليها إلا من خلال تصريحات قادتها ورؤسائها، وما يتبنونه من قضايا، ويعلنونه من مواقف، ولأن أهم قضايا المجتمع العربي والإسلامي هي قضية الاحتلال الصهيوني لفلسطين وجزء من سوريا ولبنان، فسيقتصر المقال على هذه الحيثية.
حكم آل الأسد الأب والابن سوريا لأكثر من نصف قرن، لم يزر أي منهما أمريكا، ولم يلق أي منهما خطاباً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما التقى الرئيس حافظ الأسد الرؤساء الأمريكيين ست مرات، ثلاث منها في جنيف، وثلاث في دمشق، وهم الرؤساء: ريتشارد نيكسون، جيمي كارتر، جورج بوش الأب، جمعه لقاء واحد مع كل منهم، بينما عقد مع بيل كلينتون ثلاثة لقاءات، فيما لم يلتق الأسد الابن بأي رئيس أمريكي.
في قضية احتلال الكيان الصهيوني للأراضي العربية، وصل الأسد الأب إلى الحكم بعد انقلاب على الرئيس نور الدين الأتاسي في العام 1970، وكان العدو الصهيوني قد احتل الجولان في العام 1967، وبالرغم من العداء الكبير بين سوريا الأسد والكيان الصهيوني، إلا أننا لم نشهد سوى محاولة واحدة لتحرير الجولان وفلسطين وهي حرب العام 1973، والتي لم تحقق الأمل في تحرير الجزء الأكبر من الجولان عدا عن فلسطين، لذا يُمكن الحكم على تجربة سوريا الأسدين بموضوع الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية من خلال تجربة حكمهما، وكيفية التعاطي مع هذه القضية المركزية، ويمكن القول إنهما كانا داعمين أساسيين لكل حركات التحرير، سواء بالسلاح أو بالجهد والحماية السياسية، وحافظا على نوع من الستاتيكو في جبهة الجولان، ومنعا العدو الصهيوني من التقدم واحتلال أراض جديدة.
وصل الرئيس أحمد الشرع إلى الحكم في سوريا بعد حرب لسنوات طويلة مع الرئيس بشار الأسد، صراعات مريرة أدت إلى إضعاف سوريا، وخراب الجزء الأكبر منها. صحيح أنه لم يكن انقلاباً عسكرياً، لكن ما حصل بعدها، أظهر أنه انقلاب سياسي، فأدار الرئيس الشرع دفة القيادة باتجاه واشنطن والرئيس ترامب، وتخلى عن كل حركات المقاومة، وأعلن أنه لا مانع من تحقيق السلام مع “إسرائيل” ضمن شروط معينة.
عملياً، التقى الرئيس الشرع خلال هاتين السنتين الرئيس الأمريكي ترامب ثلاث مرات، مرتين في واشنطن ومرة في تركيا، وفي كل مرة كان يُثار الكثير من الضجيج حول الشكل والمضمون. وفي عهد الرئيس الشرع دمّر العدو الصهيوني كل المراكز العسكرية السورية، وكل ثكناته ومخازنه. وفيما كان العدو الصهيوني قد احتل ما يقارب 1200 كيلومتر مربع من الجولان في حرب 1967، فقد بقي الجزء الشرقي منها، والمنطقة العازلة تحت السيادة والإدارة السورية حتى نهاية عام 2024. وفي عهد الرئيس أحمد الشرع استغل العدو الصهيوني الفراغ الأمني والعسكري، فألغى اتفاقية “فض الاشتباك لعام 1974” من طرف واحد، واحتلت قواته المنطقة العازلة (المنطقة منزوعة السلاح) بالكامل، وسيطرت على قمة جبل الشيخ ومواقع استراتيجية في محافظات القنيطرة، وريف دمشق، ودرعا. تُقدّر المصادر والتقارير العسكرية مساحة هذه المنطقة التي احتلها الجيش الصهيوني بعد 8 كانون الأول 2024 بحوالي 600 كيلومتر مربع كحزام أمني ونقاط عسكرية متقدمة، هذا عدا عن التوغلات شبه اليومية في العديد من القرى.
في المضمون يطالب الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطاباته الرسمية والمحافل الدولية، “إسرائيل” بالالتزام باتفاقية عام 1974، وضرورة الانسحاب بالكامل إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024، وقد كان لافتاً خطابه الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما أعلن بوضوح أن سوريا ترفض المحاولات “الإسرائيلية” الدائمة لفرض أمر واقع في سوريا، وأن “إسرائيل” بشذوذها تعدت على سوريا بما يقارب 500 غارة جوية ومدفعية، وأكثر من 1200 توغل، وأن الجولان سيبقى أرضاً سورية، وكل قرارات الضم باطلة وفق القرارات الأممية، وأنه إذا نجحت الترتيبات الأمنية يمكن الانتقال إلى مناقشة سلام دائم.
شكّلت هذه المواقف صدمة لقادة العدو الصهيوني، كما لكل أصدقاء وأعداء سوريا على حد سواء. فبينما كان البعض يعتقد أن الرئيس السوري قد سلّم كل أوراقه إلى الرئيس ترامب، وسيوقع اتفاقات يتخلى بموجبها عن الجولان وما بعده، جاء تأكيده على أن “الجولان أرض سورية وفق قرارات الأمم المتحدة ولا مجال للنقاش بشأنه”، ليثبت وهم كل تلك الاعتقادات باستسلامه، وبهذا أعاد الرئيس الشرع الصراع مع العدو الصهيوني إلى نقطة البداية، بالرغم من تأكيده على أن إنجاز اتفاقات أمنية يمكن أن يؤدي إلى اتفاق سلام دائم مع “إسرائيل”.
هذا الموقف صرح به من على أعلى منبر سياسي، وهو منبر الأمم المتحدة، مع ما يعنيه ذلك من صدقية والتزام، ولأن تجربة حكمه لم تكتمل، فإن دراسة موقف سوريا تكون من خلال تصريحات مسؤوليها، وتصريحاته تؤكد أن سوريا ما زالت ثابتة على مواقفها الوطنية باستعادة كامل أراضيها المحتلة، وهو بذلك يلاقي مواقف الرئيس السابق حافظ الأسد.
من جهتهم قادة العدو الصهيوني تعاملوا بانفعال مع هذا الموقف المتقدم للرئيس الشرع، وعبّر عن ذلك وزير حربهم يسرائيل كاتس بقوله: “إن الجولان جزء من إسرائيل للأبد، ولن ننسحب من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية لمنع التهديدات، وأنه إذا تعرضت قواتنا أو بلداتنا لهجوم من سوريا سنرد وكل منطقة نسيطر عليها ستبقى لنا دائماً”. هذا التصريح يشير إلى هاجس الخوف الذي ما زال يؤرق الصهاينة، من أن تتحول سوريا من جديد إلى نظام مقاوم للعدوان والظلم الذي يلحقونه بالمنطقة.
وأشار موقع والاه العبري إلى “أن الرئيس السوري أحمد الشرع يحوّل معظم موارد الدولة، من عائدات الضرائب وصولاً إلى أموال المساعدات الدولية، نحو بناء جيش نظامي كبير وشراء منظومات تسلّح. وبدلاً من الاستثمار في البنى التحتية وإعادة إعمار البلاد، أو تحسين أوضاع المواطنين الذين عانوا من 15 عاماً من الحرب، يركز النظام المتشدد على سباق تسلح، وعلى محاولة إخفاء استراتيجية تعزيز قوته العسكرية، وتثير هذه الخطوات قلقاً متزايداً وتدق أجراس الإنذار لدى أجهزة الاستخبارات”.
يُحسب للرئيس السوري أحمد الشرع هذا الموقف الشجاع والحاسم في موضوع أراضي سوريا المحتلة، وإذا صدقت التقارير الصهيونية والتركية حول إعادة بناء الجيش السوري على عقيدة العداء للمشروع الصهيوني، فإننا أمام تغيير كبير قد يعيد تشكيل المنطقة على أمل جديد بحياة أفضل، لا يكون للكيان الصهيوني موطئ قدم فيها.
يبدو أن التاريخ يكرر نفسه عند المنعطفات الكبيرة، والقرارات المصيرية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأرض والسيادة وحدود الوطن. فمتى يستيقظ أركان السلطة في لبنان من أوهامهم ويعترفون أن التاريخ يمكن أن يكرر نفسه، وأن المقاومة التي حررت في العام 2000 يمكن لها تكرار إنجازها، إذا التف حولها اللبنانيون من جيش وشعب وسلطة سياسية؟



