إقتصاد

الصكوك الضريبية في لبنان: هندسة مالية لتحويل الالتزام إلى أداة قابلة للتسديد (عماد عكوش)

 

 

كتب د.عماد عكوش – الحوارنيوز

 

يواجه المكلف اللبناني في عام 2026 معادلة قاسية : من جهة  تضاعفت أعباؤه الضريبية بفعل إجراءات الموازنة الجديدة، ومن جهة أخرى  تراجعت قدرته على الدفع بسبب استمرار الانكماش الاقتصادي وغياب السيولة بالدولار. فقد قدّرت الموازنة العامة لعام 2026 الإنفاق العام بنحو 538,415 مليار ليرة لبنانية (ما يعادل حوالي 6 مليارات دولار أميركي بسعر صرف تقديري يبلغ 89,500 ليرة للدولار) ، في حين يعتمد تمويل هذا الإنفاق بشكل كبير على الضرائب غير المباشرة التي تشكل نحو 82% من الإيرادات الضريبية.

وفي هذا السياق ، لجأت الحكومة إلى فرض ضريبة استثنائية بنسبة 17% على أرباح عمليات “صيرفة” التي جرت بين عامي 2021 و 2023 ، وطالت هذه الضريبة حتى المكلفين الذين اشتروا الدولار من المنصة بمبالغ تتجاوز عتبة 100 ألف دولار. كما رُفعت الغرامات على عدم الإفصاح عن المستفيد الحقيقي (UBO) لتصل إلى 50 مليون ليرة للشخص الطبيعي و750 مليون ليرة للشركة المساهمة. وأضيفت ضريبة مسبقة بنسبة 1.5% على المستوردين غير الملتزمين.

هذه الإجراءات ، رغم ضرورتها المالية ، تضع المكلف أمام خيارين : إما الدفع الفوري تحت وطأة الغرامات المتراكمة ، أو التعثر والوقوع في دائرة الملاحقة الضريبية. والمقالة الحالية تقترح مساراً ثالثاً: الصكوك الضريبية كأداة مالية تحوّل الالتزام الضريبي إلى سند قابل للتسديد التدريجي ، بفائدة بالدولار الأميركي ، وبإمكان استخدامه لتغطية التكاليف المستقبلية الناتجة عن درس الملفات ، مع إعفاء من الغرامات.

أولاً: الإطار التصميمي للصك الضريبي

1.1 الجهة المصدرة والعملة

تُصدر الصكوك وزارة المالية اللبنانية بصفتها الجهة السيادية المخوّلة إدارة الدين العام وإصدار الأدوات المالية. ويكون الصك بالدولار الأميركي من حيث القيمة الاسمية والفائدة ، مع إمكانية الدفع بالليرة اللبنانية وفق سعر السوق الحقيقي. هذا الاختيار المزدوج ضروري لسببين:

السبب الأول يتعلق بحماية قيمة الصك. فالليرة اللبنانية عاشت منذ 2019 انهياراً حاداً في قيمتها ، وبلغ سعر الصرف الرسمي 15,000 ليرة للدولار بعد التعديلات المتتالية ، في حين أن سعر السوق الموازي يختلف بشكل كبير. لو أُصدر الصك بالليرة ، لفقد حامله قيمة أصلية خلال أشهر.

السبب الثاني يتصل بطبيعة الالتزامات الضريبية نفسها. فالضريبة الاستثنائية على عمليات صيرفة مفروضة أصلاً على تعاملات بالدولار ، ومن المنطقي أن تكون الأداة التي تسددها بالدولار أيضاً.

1.2 سعر الصرف المعتمد

يُحتسب سعر الصرف عند التسديد وفق سعر السوق الحقيقي المعلن من مصرف لبنان أو من أي مرجع سوقي معتمد وموثّق، وليس وفق السعر الرسمي . والفرق بين السعرين كبير: فبينما يمكن ان يكون السعر الرسمي في بعض المعاملات الحكومية مختلف في المستقبل عن سعر السوق ، فإن السعر السوقي هو ما يعكس القيمة الفعلية للعملة. واعتماد سعر السوق يضمن أن المكلف لا يخسر قيمة مدخراته عند تحويلها إلى الصك، ولا يستفيد بشكل غير مبرر من فارق سعري اصطناعي.

1.3 الفائدة: 7% بالدولار

حُددت الفائدة عند 7% سنوياً بالدولار الأميركي. هذا الرقم ليس اعتباطياً؛ بل يستند إلى مرجعية واضحة. فقد أصدرت وزارة المالية في يوليو 2026 سندات يوروبوند بالدولار، وكانت إحدى شرائحها بفائدة 7% لأجل سبع سنوات. واختيار النسبة ذاتها للصك الضريبي يرسل إشارة مزدوجة: من جهة، أن الصك ليس أداة “رخيصة” أو من الدرجة الثانية ، ومن جهة أخرى ، أن الفائدة لا تمنح ميزة تفاضلية غير مبررة عن أدوات الدين السيادي.

لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين الصك الضريبي واليوروبوند: فائدة الصك لا تُدفع نقداً ، بل تُضاف إلى رصيد الإعفاء الضريبي للحامل. أي أن المكلف لا يتقاضى 7% نقداً ، بل يزداد رصيده القابل للاستخدام في تسديد ضرائبه المستقبلية بنسبة 7% سنوياً. مع حق المكتتب بسحب قيمة الفوائد التي خرجت من القيد نتيجة مرور الزمن ، هذا التصميم يحقق هدفين: يخفف الضغط النقدي على الخزينة ، ويجعل الفائدة أداة ضريبية وليس مجرد عبء مالي.

ثانياً: آلية الاستخدام والتسديد

2.1 استخدام الصك لتسديد التكاليف المستقبلية

تُستخدم الصكوك لتسديد الضرائب والرسوم والتكاليف المستقبلية التي تنتج عن “درس الملفات” الضريبية، أي عن التدقيق والمراجعة التي تجريها إدارة الضرائب على ملفات المكلفين. وعملياً، يعني ذلك أن المكلف الذي يكتتب بالصك اليوم، يستطيع أن يستخدمه غداً لتسديد ما قد يترتب عليه من ضرائب نتيجة تدقيق ملفاته السابقة أو اللاحقة.

وتشمل التكاليف القابلة للتسديد: ضريبة الدخل على الأرباح ، والضريبة على القيمة المضافة ، والضريبة الاستثنائية على عمليات صيرفة ، والرسوم الجمركية ، وأي التزامات ضريبية أخرى تحددها إدارة الضرائب. وبهذا يتحول الصك إلى أداة تخطيط ضريبي وقائي: يشتريه المكلف وهو لا يعرف بعد المبلغ الدقيق الذي سترتبه عليه دراسة ملفاته ، فيضمن بذلك تغطية محتملة بتكلفة معروفة ومسبقة.

2.2 الإعفاء من الغرامات

من أبرز مزايا الآلية أن تسديد الضريبة عبر الصك الضريبي يعفي المكلف من الغرامات. ويشمل الإعفاء:

  •      غرامة التأخير عن الدفع: 2% شهرياً بموجب المادة 55 من قانون الإجراءات الضريبية.
  •      غرامة التأخير عن التصريح: 10% من الضريبة المستحقة.
  •      الغرامات المقطوعة المحددة في جداول الموازنة.

هذا الإعفاء ليس تفضيلاً غير مبرر، بل هو مقابل اقتصادي لتحويل الدين الضريبي إلى أداة مالية. فالمكلف الذي يقبل أن يجمّد سيولته في صك لمدة سنوات، ويقبل أن تكون فائدته على شكل رصيد ضريبي لا نقد، يستحق مقابل ذلك إسقاط الغرامات التي نشأت عن تأخره. وبهذا المنطق، يصبح الإعفاء جزءاً من “تسعير” الأداة، لا منّة مجانية.

2.3 حسم الفوائد ابتداءً من سنة التكليف

النقطة الأكثر دقة في التصميم هي آلية حسم الفوائد. فالصك يتراكم عليه 7% سنوياً، لكن هذه الفوائد لا تُدفع نقداً ولا تُضاف إلى الدخل الخاضع للضريبة الا بعد مرور الزمن على الدراسة . وعند استخدام الصك لتسديد ضريبة نشأت في سنة تكليف معينة ، تُحسم الفوائد المحتسبة ابتداءً من سنة التكليف نفسها ، وبقيمة الضريبة المستحقة فقط.

ولتوضيح ذلك بمثال: لنفترض أن مكلفاً اكتتب بصك بقيمة 100,000 دولار في عام 2026. وفي عام 2028، صدر تكليف بضريبة مستحقة عليه عن سنة 2026 بمبلغ 30,000 دولار. عند التسديد، تُحتسب الفوائد المتراكمة على الصك من 2026 حتى 2028 (أي 14% تقريباً)، لكن الحسم يُطبق فقط على قيمة الضريبة المستحقة (30,000 دولار)، لا على كامل رصيد الصك. أي أن المكلف يسدد 30,000 دولار من أصل الصك، وتُضاف إليها الفوائد المتراكمة عن المبلغ المستخدم فقط، دون أن يمتد أثر الحسم إلى الرصيد المتبقي.

هذا التصميم يمنع “تضخيم” الإعفاء بشكل غير مبرر، ويضمن أن الفائدة تعوّض فقط عن الفترة التي بقيت فيها الضريبة غير مسددة فعلاً.

ثالثاً: المعالجة الضريبية للصك

3.1 عند الإصدار

لا يُعتبر الاكتتاب بالصك حدثاً ضريبياً. فالمكلف الذي يحوّل سيولته إلى صك لا يحقق دخلاً، ولا يترتب عليه أي التزام ضريبي جديد. وإذا كان الصك صادراً مقابل تحويل دين ضريبي قائم إلى أداة مالية، فهذه عملية إعادة هيكلة دين، لا تحقيق دخل.

3.2 أثناء الحيازة

الفوائد المتراكمة على الصك لا تُعد دخلاً خاضعاً للضريبة في سنة تراكمها. وهذا مخالف للقاعدة العامة التي تخضع فوائد السندات الحكومية للضريبة. لكن المبرر أن هذه الفوائد ليست دخلاً نقدياً، بل رصيد إعفاء ضريبي مستقبلي. فلو خضعت للضريبة، لكان ذلك بمثابة فرض ضريبة على حق التسديد، وهو ما يناقض الغرض من الآلية.

3.3 عند الاستخدام

عند استخدام الصك لتسديد ضريبة، لا يُعاد احتساب أي ضريبة على الفوائد المستخدمة. بل يُخصم المبلغ المستخدم من رصيد الصك، ويُسجّل التسديد في حساب المكلف لدى إدارة الضرائب. وبهذا تبقى العملية محايدة ضريبياً: لا ضريبة على الفائدة، ولا ضريبة على التسديد.

رابعاً: الآثار المالية والاقتصادية

4.1 على المكلف

يكسب المكلف من هذه الآلية ثلاثة أمور: الأول، تجنّب الغرامات المتراكمة التي قد تتجاوز أصل الضريبة. الثاني، الحصول على فائدة 7% بالدولار في زمن يصعب فيه إيجاد أي عائد دولاري آمن. الثالث، القدرة على تسديد التزامات ضريبية محتملة بأداة حصل عليها مسبقاً، بدلاً من مواجهة مفاجأة مالية عند صدور التكليف.

4.2 على الخزينة

لا تنتج الآلية إيرادات نقدية فورية، لكنها تحوّل ديوناً ضريبية “متعثرة” أو محتملة إلى أداة دين منظمة. والمقارنة الصحيحة ليست بين “تحصيل كامل” و”تحصيل عبر الصك”، بل بين “تحصيل جزئي بعد سنوات من الملاحقة” و”تحصيل مضمون عبر الصك مع إعفاء من الغرامات”. وفي بيئة يتراجع فيها معدل التحصيل الفعلي، قد يكون الصك أداة أكثر كفاءة من الملاحقة القضائية.

4.3 المخاطر

ثمة ثلاث مخاطر رئيسية:

الخطر الأول هو الانتقاء العكسي: قد يكتتب المكلفون الذين يعرفون مسبقاً أن ملفاتهم ستنتج ضرائب كبيرة، في حين يمتنع المكلفون الملتزمون. وهذا يخلق ضغطاً على الخزينة.

الخطر الثاني هو الاستخدام الاستراتيجي للتأخير: قد يتعمد بعض المكلفين تأخير تسديد ضرائبهم أملاً في الاكتتاب بالصك لاحقاً والاستفادة من إعفاء الغرامات.

الخطر الثالث هو مخاطر سعر الصرف: إذا انخفضت قيمة الليرة أكثر، فإن الاكتتاب بسعر السوق الحقيقي يحمي المكلف، لكنه قد يخلق ضغطاً على مصرف لبنان إذا اضطر لتدبير الدولار.

ولمواجهة هذه المخاطر، يُقترح: تحديد سقف للاكتتاب لكل مكلف، وربط الإعفاء من الغرامات بشرط أن يكون التأخير سابقاً لتاريخ الإصدار، وعدم السماح بالاكتتاب بالصك لتسديد ضرائب نشأت بعد تاريخ الإصدار إلا بنسبة محدودة.

في الخلاصة الصكوك الضريبية التي يمكن لوزارة المالية إصدارها بفائدة 7% بالدولار الأميركي، والقابلة للاستخدام في تسديد التكاليف المستقبلية الناتجة عن درس الملفات، مع الإعفاء من الغرامات، تشكّل أداة مالية مبتكرة تستجيب لحاجة مزدوجة: حاجة المكلف إلى تجنّب الغرامات وتأجيل الدفع، وحاجة الخزينة إلى تحويل ديونها الضريبية إلى أدوات منظمة.

لكن نجاح هذه الأداة يتوقف على ثلاثة شروط: الشفافية في تحديد سعر الصرف المعتمد، المصداقية في الالتزام بحسم الفوائد وفق القواعد المعلنة، والعدالة في عدم تحويل الآلية إلى وسيلة لإفلات المكلفين الكبار من التزاماتهم. فإذا تحققت هذه الشروط، يمكن للصك الضريبي أن يصبح جسراً بين المكلف والخزينة، بدلاً من أن يكون ساحة صراع دائم.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى