اتحاد العائلات البيروتية ودوره في خدمة العاصمة وأهلها (خالد عميرات )

كتب المهندس خالد عميرات – المانيا – الحوارنيوز
عندما نتحدث عن بيروت، فإننا لا نتحدث عن مدينة عادية، بل عن بيروت أمّ الشرائع، ولؤلؤة شرق المتوسط، وعاصمة لبنان وواجهته الحضارية والثقافية والاقتصادية. نتحدث عن مدينة عريقة صنعت عبر تاريخها مساحةً للعلم والثقافة والتجارة والانفتاح، وكانت دائماً حاضنةً لمختلف أبناء الوطن، رغم ما دفعه أهلها من أثمان باهظة نتيجة الحروب والأزمات والتحولات السياسية التي مرّ بها لبنان.
ومن هذا المنطلق، لا بدّ عند الحديث عن اتحاد العائلات البيروتية من العودة إلى الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت ببيروت خلال مرحلة التسعينيات، لفهم الأسباب التي دفعت إلى تأسيسه والدور الذي كان مأمولاً منه.
أولاً: الظروف التي رافقت تأسيس اتحاد العائلات البيروتية
خلال مرحلة إعادة إعمار لبنان في التسعينيات، كان هناك مشروع تنموي واجتماعي واقتصادي واسع ارتبط بصورة أساسية بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكان من بين أهدافه إعادة النهوض ببيروت وإشراك أبنائها بصورة أكبر في مؤسسات الدولة والوظائف الحكومية، بما فيها القوى والمؤسسات الأمنية.
إلا أن الواقع السياسي في لبنان آنذاك، في ظل الوصاية السورية ومراكز القرار المرتبطة بها، ولا سيما ما كان يُعرف بـ«البوريفاج» ثم «عنجر»، جعل العديد من القرارات والمطالب المتعلقة ببيروت وأهلها خاضعة لتوازنات سياسية وأمنية معقدة، الأمر الذي كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى عرقلة بعض المبادرات أو فرض تسويات وتنازلات للوصول إلى حلول جزئية.
وفي ظل هذه الظروف، برزت في التسعينيات فكرة اتحاد العائلات البيروتية، على أمل أن يشكّل إطاراً أهلياً واجتماعياً منظماً يستطيع التعبير عن هموم أبناء العاصمة، والمساهمة في إحداث خرق إيجابي في جدار التعقيدات السياسية والإدارية التي كانت تحول دون تحقيق الكثير من المطالب المحقة لأهل بيروت.
ثانياً: دور الاتحاد وحدود مسؤوليته
إن المطالبة بتنمية بيروت، كما سائر المناطق اللبنانية التي عانت الحرمان أو التهميش، وتأمين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وفرص العمل لأبنائها، كانت ولا تزال مسؤولية سياسية ومؤسساتية في المقام الأول.
ومن هنا، يجب أن تبقى المطالبة بحقوق بيروت وأهلها ضمن الأطر الدستورية والمؤسساتية الصحيحة، وفي مقدمتها نواب العاصمة والمجلس البلدي والوزارات والإدارات المختصة.
أما اتحاد العائلات البيروتية، فيمكن أن يؤدي دوراً مهماً وفاعلاً بوصفه جسراً بين المجتمع البيروتي وهذه المؤسسات؛ فيجمع المطالب، ويرتب الأولويات، ويوصلها إلى نواب المدينة والمجلس البلدي والجهات المعنية، ثم يتابعها بصورة جدية ومنظمة إلى حين الوصول إلى النتائج المرجوة.
كما يمكن للاتحاد أن يؤدي دوراً داعماً في الحفاظ على المؤسسات البيروتية التاريخية، وفي مقدمتها جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت، ومتابعة رسالتها التربوية والاجتماعية التي تأسست من أجلها، والعمل على أن تبقى مؤسساتها التعليمية والصحية والاجتماعية في متناول أبناء بيروت، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود
وفي الوقت نفسه، من الضروري التأكيد أن اتحاد العائلات البيروتية ليس، ولا ينبغي أن يكون، بديلاً عن نواب بيروت أو المجلس البلدي أو المؤسسات الاجتماعية والخيرية أو صندوق الزكاة. فلكل مؤسسة دورها وصلاحياتها ومسؤولياتها، وأي تداخل غير منظم بين هذه الأدوار قد يؤدي إلى ازدواجية وفوضى في العمل بدلاً من تحقيق النتائج المطلوبة
المطلوب من الاتحاد، في تقديري، ليس أن يحلّ مكان مؤسسات الدولة أو الهيئات المنتخبة، بل أن يكون قوة أهلية بيروتية جامعة ومنظمة، تراقب وتطالب وتتابع وتقترح وتنسّق، وأن يشكل مرجعية اجتماعية قادرة على نقل نبض أهل العاصمة واحتياجاتهم إلى أصحاب القرار.
كلمة أخيرة
إن بيروت اليوم بحاجة إلى جمع الطاقات لا إلى تشتيتها، وإلى العمل المؤسساتي المنظم بعيداً عن المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.
ومن هنا، أتمنى كل التوفيق والنجاح لاتحاد العائلات البيروتية بهيئته وأعضائه الجدد، وأن تكون جهودهم منسقة وموجهة نحو متابعة كل ما يتعلق بمدينة بيروت وقاطنيها، من إنماء وخدمات وتعليم ورعاية اجتماعية وفرص عمل، إضافة إلى الحفاظ على هوية العاصمة وتاريخها ومؤسساتها العريقة.
فالاتحاد الناجح هو الذي يستطيع أن يكون صوتاً جامعاً لأهل بيروت، وذاكرةً تحفظ تاريخها، وعيناً تراقب حقوقها، وجسراً يصل أبناءها بمؤسسات الدولة وممثليهم المنتخبين.
بيروت تستحق أن تكون الأولوية، وأن تُصان كرامة أهلها وحقوقهم، وأن تبقى كما عرفها أبناؤها والعالم: أمّ الشرائع، مدينة العلم والثقافة والانفتاح، ولؤلؤة شرق المتوسط


