..وليس كل اختفاء غياب ! (أحمد عياش)

كتب د. أحمد عياش – الحوارنيوز
يتحدثون عن اختفاء قائد و أراه هنا، في رغيف خبز لم يكتمل على تنور جدتي ثم امّي،في كوب ماء لم يشربه كلّه طفل مات على عجلة من أمره، في وعد شجرة للتراب أنّها لن تنحني للعواصف فاقتُلعت بإعصار، في طبشورة بيضاء تكتب على لوح أسود اجمل أبيات الغزل لبلاد عذراء،
يتحدثون عن اختفاء فهل كل إختفاء غياب ؟
ليس كل إختفاء عدم حضور و أراه هنا يصعد معنا في آخر سيارة نزوح قسراً برفقة جنود من الجيش اللبناني كي لا نموت جميعاً،صامد خلف صخرة مع فارس ملثم وشجاع ، يؤنسه في الصمود والقتال.
همست لي أمّي قبل ان تموت أن المطلوب ان يبقى البعض منّا أحياءً لنقوم بخدمة الشرفاء إن حضروا وإن ذهبوا وإن أطلّوا علينا من جديد،
قالت أمّي وهي تحتضر وتموت كعادتها في كل حرب أنّ من واجبنا ان يبقى البعض منّا أحياء لننهض من الفاجعة ببواريدنا كفراشات وزغاريد من النبطية وصور الى بعيدا وعيتا الشعب .
نحن الشعب،
إن غاب قائد فنحن الناس لا نغيب.
البلاد ليست بحاجة لأي خطاب ولأي مواساة فالمأساة تخطّت أعظم المناسبات وما ينتظرنا أخطر من أسرار الغيب.
وهل بقي للغيب من أسرار أفظع من حكاياتنا لولا صمود أهلنا ولولا ابتسامات أطفالنا ولولا إصرارنا ككل مرّة أن نعيش و أن نحيا و أن ننجو و أن نعود .
عائدون حتماً.
تحية للحاضر إن كان ما زال هناك او صار معنا هنا.
ما عاد المكان يهمّنا، ليس كل اختفاء غياب.
من هنا ومن تحت شجرة تين محررة في حاروف وجالساً على تنكة محروقة وصدئة ومطعوجة أعلن:
انتم يا اخواني الثوار مثل موج البحر إن وقفتم انتهيتم*
لن نتوقف ولن ننتهي.
عائدون.
تحية وسلام للحاضر في الغياب ،في 31 آب.
والله اعلم.



