رأي

في الذكرى الثانية لرحيل الرئيس سليم الحص: رجل الدولة وضمير لبنان (وليد بركات)

 

بقلم وليد بركات – الحوارنيوز

 

كان لي شرف العمل مع الرئيس الدكتور سليم الحص عن قرب، كإعلامي وكمستشار، في الفترة من العام 1998 حتى العام 2000. في تلك السنوات تعلمت أن السياسة يمكن أن تكون نظيفة، وأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الكلمة لها وزن عندما تخرج من رجل لا يطلب شيئاً لنفسه.

 

رجل الدولة قبل كل شيء..

في زمن كثرت فيه الحسابات الضيقة، كان الحص استثناء. اقتصادي من الطراز الأول، وأكاديمي مرموق، ورئيس وزراء قاد لبنان في أصعب المراحل. لم يكن يبحث عن شعبية ولا عن صفقات. كان يبحث عن دولة.

 

حكوماته كانت مدارس في الإدارة. لا ضجيج إعلامي، لا وعود جوفاء. عمل بصمت، وترك الأرقام والمؤسسات تتكلم. كان يؤمن أن الدولة تُبنى بالقانون لا بالمحاصصة، وبالكفاءة لا بالولاء.

 

ضمير لبنان الناطق..

ما يميز الدكتور الحص أنه كان “ضمير لبنان”. صوته كان يعلو عندما يصمت الجميع. مواقفه لم تكن محسوبة على طائفة أو محور، بل على المصلحة الوطنية العليا.

 

أتذكر جيداً قوله الذي أصبح منارة لي: “يبقى الإنسان قويا حتى يطلب شيئا لنفسه”.

هذه الجملة اختصرت فلسفته كلها. الرجل الذي لم يطلب لنفسه منصباً بعد الرئاسة، ولا امتيازاً، ولا ثروة. خرج من السراي كما دخلها: بسيطاً، متواضعاً، ونظيف اليد.

 

النزاهة والتواضع.. مدرسة نادرة

خلال عملي معه، لم أره يوماً غاضباً على أحد، ولا متعالياً على صغير. كان يستقبل الجميع، يسمع، ويرد بهدوء الحكيم. مكتبه كان مفتوحاً، وهاتفه لم يكن مغلقاً أمام صاحب حاجة.

 

في زمن الفساد المستشري، كان وجوده بمفرده فضيحة لبعض السياسيين. لأنه أثبت أن بالإمكان أن تكون في السلطة ولا تتلوث. وأن بالإمكان أن تحكم ولا تسرق.

 

الإرث الذي تركه

اليوم لبنان بأمس الحاجة إلى “سليم الحص”. بأمس الحاجة إلى رجل دولة لا يخاف، وإلى ضمير لا يساوم، وإلى مسؤول يقول الحق ولو كان مراً.

 

إرثه ليس وزارات ولا قرارات فقط. إرثه هو نموذج. نموذج للشاب اللبناني الذي يريد أن يدخل السياسة ولا يريد أن يخسر نفسه. نموذج يقول: نعم، يمكن.

 

رحم الله من رحل من الرجال الكبار، وأطال الله بعمر من بقي منهم منارة لنا.

 

فخور أنني عملت معه، وفخور أكثر أنني تعلمت منه أن قوة الإنسان الحقيقية تبدأ عندما يكف عن طلب شيء لنفسه.

  • توفي الرئيس سليم الحص في 25 آب عام 2024

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى