إقتصاد

“مركزيّة المودعين” في لبنان : شفافية تُنقذ القطاع.. أم ثقب في السرية المصرفية؟ (عماد عكوش)

 

بقلم د.عماد عكوش – الحوارنيوز

 

في خضم الأزمة المالية التي يعيشها لبنان ، أصدر مصرف لبنان قراراً أساسياً رقم 13836 ، تضمّنه التعميم الأساسي رقم 174، وأنشأ بموجبه ما يُعرف بـمركزيّة المودعين . هذا القرار ليس مجرد تعديل إداري ، بل هو أداة تقنية متطورة تُحدث تغييراً جوهرياً في طريقة إدارة المعلومات المصرفية ، وتُمهّد الطريق لإصلاحات أوسع ، لكنه في الوقت نفسه يفتح ملفات حساسة تتعلق بالسرية المصرفية ، والثقة بالقطاع ، وعلاقة لبنان بالمجتمع الدولي.

أولاً: ماذا يعني القرار بالنسبة للودائع القديمة والجديدة؟

  •      الودائع القديمة: القرار لا يمس مباشرة قيمة الودائع القديمة أو طبيعتها ، لكنه يُنشئ سجلاً مركزياً موحداً لكل مودع ، يجمّع كل حساباته في جميع المصارف تحت رقم تعريفي واحد. هذا السجل هو في الواقع شرط أساسي لتطبيق أي خطة مستقبلية لاستعادة الودائع ، مثل قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع . بعبارة أوضح القرار يجهّز الملفات ، لكن الحسم الحقيقي سيأتي لاحقاً ، وقد يكون موجعاً للمودعين وأصحاب المصارف على السواء.
  •      الودائع الجديدة وجذب الاستثمار: هنا المشهد مزدوج . فالشفافية التي يُحدثها السجل المركزي تُعتبر مطلباً أساسياً من صندوق النقد الدولي والمستثمرين العالميين ، وهذا قد يُشجّع على عودة بعض رؤوس الأموال . لكن في المقابل ، يُقرأ القرار في أوساط مالية أخرى كجزء من نظام رقابي مشدّد قد يُبقي القيود غير الرسمية على تحريك الأموال ، ما يجعل المستثمرين في حالة انتظار حتى تتضح الصورة القانونية الكاملة لإعادة هيكلة القطاع.

ثانياً: تنظيم القطاع وإعادة الثقة

القرار يهدف بوضوح إلى ضبط العمل المصرفي ، عبر توحيد بيانات المودعين ومنع أي تضارب أو ازدواجية في المعلومات. هذه خطوة محسوبة لتحسين الحوكمة الداخلية ، وتطبيق معايير دولية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب . كما أنها تمنح مصرف لبنان صلاحيات إشرافية أوسع ، تتماشى مع توصيات صندوق النقد. لكن الحقيقة أن هذه الأدوات التنظيمية وحدها لن تكون كافية ، ما لم تُرفق بقوانين جذرية تعالج حجم الخسائر المتراكمة وتوزعها بشكل عادل . فالقرار يُنظّم الطريق ، لكنه لا يصلح العطب الجذري في القطاع.

ثالثاً: هل للقرار علاقة بالعقوبات الأمريكية؟

النص الصريح للقرار لا يتطرق للعقوبات ، لكن السياق يحمل دلالات واضحة. إنشاء قاعدة بيانات مركزية وشاملة يُسهّل على الجهات الرقابية اللبنانية والدولية تتبع التدفقات المالية ، وهذا قد يُقرأ كخطوة استباقية لتجنب أي عقوبات مستقبلية ، خصوصاً تلك التي قد تستهدف أفراداً أو مؤسسات متهمة بالارتباط بكيانات خاضعة للعقوبات مثل حزب الله.

باختصار ، القرار يُظهر التزام لبنان بالشفافية المالية الدولية ، ما يُعزّز موقفه التفاوضي ، لكنه في الوقت نفسه قد يُستخدم كأداة رقابية مشدّدة ، وقد يُفهم من بعض الأوساط المحلية والدولية كوسيلة لتقييد حركة رأس المال أكثر من تحريرها.

رابعاً: هل توجد أنظمة شبيهة في أمريكا؟

    نعم ، من حيث المبدأ. ففي الولايات المتحدة ، توجد أنظمة مثل شبكة   FinCEN” ”  التابعة لوزارة الخزانة ، التي تجمع المعلومات المالية لمكافحة الجريمة والإرهاب ، وكذلك نظام  CIP” ” للتحقق من هوية العملاء. لكن الفرق الجوهري أن الأنظمة الأمريكية تركز على الأهداف الأمنية والرقابية ، بينما مركزيّة المودعين في لبنان تحمل أبعاداً تصحيحية ومالية أوسع ، لأنها ترتبط مباشرة بإدارة أزمة داخلية واستعادة ودائع وإعادة هيكلة القطاع ، وليس فقط بمكافحة الجريمة.

خامساً: ماذا عن السرية المصرفية

هنا يكمن الجانب الأكثر حساسية . التعميم رقم 174 يُحدث اختراقاً واضحاً في مبدأ السرية المصرفية ، بل يمكن القول إنه يتعارض مع جوهره . فبدلاً من أن تبقى معلومات الحساب محصورة بين المصرف والعميل ، يُجبر القرار المصارف على إرسال كل بيانات المودعين إلى مصرف لبنان ، لتُجمع في قاعدة بيانات واحدة. هذا التجميع الدائم والشامل يُضعف بشكل كبير مبدأ السرية ، ويُحوّله من استثناء نادر إلى قاعدة في سياق الرقابة. ومع أن هذا يأتي في إطار إصلاحي فرضته الأزمة وضغوط المجتمع الدولي ، فإنه يُحدث تحولاً جذرياً في الثقافة المصرفية اللبنانية ، من نظام كان يقوم على السرية إلى نظام يسعى للشفافية كشرط للنجاة.

في الخلاصة القرار رقم 13836 هو نقلة نوعية في أدوات الحوكمة المصرفية بلبنان. تأثيره المباشر على الودائع والاستثمار قد يكون محدوداً اليوم ، لكن آثاره الاستراتيجية عميقة ، لأنه يُهيئ البيئة لتطبيق قوانين أكثر صرامة ، مثل قانون استرداد الودائع. كما أنه يُظهر التزاماً بالمعايير الدولية التي قد تُساعد لبنان في تجاوز بعض العقوبات ، لكنه في الوقت نفسه يُحدث شرخاً في مبدأ السرية المصرفية. والنتيجة النهائية تتوقف على كيفية تطبيق هذا القرار ، ومدى التزام المصارف به ، وقدرته على تحقيق التوازن بين الشفافية المطلوبة وعدم إغراق القطاع المنهك بأعباء إضافية.

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى