92% من النازحين خارج مراكز الإيواء.. والمساعدات إلى صفر (زينب حمود)

الحوارنيوز – صحافة
تحت هذا العنوان كتبت زينب حمود في صحيفة الأخبار:
لا يزال 268 ألف نازح، في ظل العدوان الإسرائيلي، يواجهون ظروفاً إنسانية قاسية، بين مراكز إيواء مكتظّة ومنازل تفتقر إلى الدعم، وسط غياب خطة رسمية وشحّ في المساعدات التي تقدّمها الجمعيات.
لا يعني انخفاض وتيرة الأعمال الحربية المعادية انتهاء أزمة النزوح في لبنان، فحتى يوم الأربعاء الماضي، كان لا يزال هناك نحو 268 ألفَ نازح، (نحو 75 ألفاً و353 عائلة)، مسجّلين في «الهيئة الوطنية للإغاثة» (صامدون)، عدا مئات العائلات النازحة غير المُسجّلة، فضلاً عن التوترات الأمنية في الجنوب، والتي تؤدّي إلى موجات نزوح وعودة تحول دون الوصول إلى استقرار للناس في قراهم.
وبحسب إحصاءات «صامدون»، لا يزال 8% فقط من مجموع النازحين في مراكز إيواء، بينما الغالبية الساحقة تقيم في منازل. ولا يزال هناك 223 مركز إيواء تستقبل نحو 5738 عائلة، (120 ألفاً و202 نازح). وتتوزع هذه المراكز جغرافياً على الشكل الآتي: 114 مركزاً في بيروت والجبل، 38 مركزاً، جنوب لبنان شمال الليطاني، 36 مركزاً في الشمال وجبل لبنان، 27 مركزاً، جنوب الليطاني، 8 مراكز في البقاع. وهذه المراكز هي غالباً مدارس رسمية افتُتحت لاستقبال النازحين.
ومع اقتراب العام الدراسي، وغياب أي خطة واضحة لنقل النازحين إلى مراكز بديلة، تلوح في الأفق أزمة ذات عدة أوجه. «من جهة، لا بد من عودة الطلاب إلى التعليم الحضوري بشكل متساوٍ في جميع المناطق، وتجهيز جميع المدارس الرسمية للعام للدراسي المقبل. ومن جهة ثانية، يجب توفير مأوى لائق للعائلات النازحة تتوفّر فيه شروط الحياة لفترة قد تطول أكثر. وعليه، فإن ترك الأمور على حالها، إلى جانب آثاره التربوية والإنسانية، قد ينذر ذلك بحصول نزاعات ذات طابع طائفي ومناطقي»، كما يحذّر المسؤول الإعلامي في هيئة «صامدون» عباس كنعان.
وتعاني مراكز الإيواء الحالية عموماً من واقع صعب، فهي أساساً غير مُهيّأة للمبيت الدائم، ومع مرور قرابة الستة أشهر على الحرب، تزيد الضغوطات على المقيمين فيها. فالدولة لا تغطي سوى نحو 30% من المصاريف التشغيلية والخدمات الأساسية، مثل الغذاء ومياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء ووسائل التبريد، فيما يقع على عاتق الجمعيات والهيئات الأهلية، القسم الأكبر من هذه التكاليف.
وعلى الرغم من انحسار ظاهرة النزوح في مراكز الإيواء، لا يزال مشهد اكتظاظ العائلات يفرض نفسه في عدة مراكز، نتيجة إعادة توزيع النازحين على عدد أقل من المراكز لتخفيف الأعباء المادية والبشرية. كما هي الحال في مدرسة المية ومية المتوسطة الرسمية، حيث لا تزال ظروف النزوح تشبه إلى حدّ كبير أيام الحرب، لجهة تقسيم الغرف بقواطع بين عدة عائلات، وتوزيع عائلات أخرى على خيم داخل الملاعب، رغم الحر الشديد.
لا توجد خطة بديلة لنقل النازحين من المدارس الرسمية مع اقتراب العام الدراسي
على مستوى النزوح في المنازل، تتكشّف أزمة أكثر قسوة لكنها صامتة. فالتدهور الحادّ في أوضاع العائلات النازحة الاقتصادية، يقابله غياب لأي مبادرة فعلية من جانب الدولة لتأمين بدلات إيواء. وبينما استمرّت المساعدات داخل مراكز الإيواء كما كانت خلال فترات الحرب، «انعدمت المساعدات الموجّهة للنازحين في المنازل، ما ترك هذه الفئة لمصيرها من دون متابعة أو دعم: لا أحد يسأل عن ظروف عملهم، أو أماكن سكنهم، أو قدرتهم على الوصول إلى العلاج، أو مصير تعليم أبنائهم»، بحسب أحد الناشطين في ملف النزوح في صيدا.
في المقابل، يُطلب من هذه الفئة التي خسرت كل شيء عندما غادرت منزلها البدء من الصفر، وسط ارتفاع إيجارات المنازل، وقلة فرص العمل، واقتراب العام الدراسي وضرورة تأمين الأقساط والكتب والقرطاسية. غير أن الانتقال من نمط الحياة الريفية البسيطة إلى الحياة في المدينة فرض أعباء إضافية على كثير من العائلات، من فواتير شهرية للبناء، إلى تكاليف معيشية يومية مرتفعة، في ظل غياب أي بدائل كانت مُتاحة سابقاً في القرى، مثل الاعتماد على الإنتاج الزراعي لتأمين جزء من الاحتياجات الأساسية.
العائدون
ولا تقتصر الأزمة على النازحين الذين غادروا قراهم ومدنهم، بل تمتد أيضاً إلى العائدين إليها، حيث تجد عشرات العائلات نفسها بعد العودة متروكة لمواجهة صعوبات الحياة اليومية، بدل أن تحظى بدعم رسمي مستمر يرسّخ استقرارها ويشجّعها على البقاء في أرضها. ولذلك، خرجت مبادرات فردية لدعم صمود العائلات، إلى جانب جهود عدد محدود جداً من الجمعيات، لا يتعدّى عددها الخمس في كل الجنوب. ومن بينها جمعية «وتعاونوا»، التي «تقدّم دعماً يومياً لنحو 1500 عائلة في قرى جنوب الليطاني الممتدّة من فرون وصولاً إلى زبدين وكفرا وياطر، تشمل الحصص التموينية والغذائية.
في السياق نفسه، ساهمت «وتعاونوا» في تأمين مقوّمات الصمود داخل المنازل غير المُدمّرة أو المتضررة جزئياً والقابلة للسكن، وشملت توزيع 3500 حصة (ثلاجات وغسالات وأدوات المطبخ والأثاث الضروري)»، إلا أنّ «الحاجة أكبر وبكثير وتبلغ 7000 حصة عاجلة لتجهيز المنازل، عدا الدعم المطلوب لترميم 2600 بيت متضرّر جزئياً ويمكن معالجة أضرارها بمبالغ بسيطة، لكننا غير قادرين على تحمّل التكاليف وحدنا» يقول رئيس جمعية «وتعاونوا» عفيف شومان، مناشداً وزيرة الشؤون الاجتماعية للتحرك العاجل من أجل تثبيت الجنوبيين في أرضهم.
زوطر الغربية
بعد انسحاب العدو الإسرائيلي من بلدة زوطر الغربية، جرت محاولات لتنظيم عودة الأهالي وسط ظروف معيشية وأمنية معقّدة. وبحسب رئيس جمعية «وتعاونوا» عفيف شومان، جرى تقديم بيت جاهز للبلدية في الساحة بهدف تأمين احتياجات العائدين وإنجاز معاملاتهم، إلى جانب إنشاء مطبخ ميداني يؤمّن يومياً وجبات لنحو 150 عائلة. ومن المتوقع تسجيل عودة نحو 200 عائلة في المرحلة الأولى، في وقت يجري العمل على تأمين 100 بيت جاهز عبر مجلس الجنوب، رغم التأكيد أن هذه الحلول تبقى مؤقتة ولا تشكّل بديلاً عن إعادة الإعمار.
في المقابل، هناك نحو 100 منزل لم تتعرّض لدمار كامل وتُعد صالحة نسبياً للسكن، حيث «جرى الكشف على 50 منها وتأمين خزانات مياه وأنظمة طاقة شمسية ومستلزمات أساسية، على أن تُستكمل الأعمال قريباً، لتُستكمل العملية بعد مسح نحو 40 منزلاً متضرراً آخر، فيما يواصل الجيش اللبناني تزويد الأهالي بمياه الخدمة، مع خطط لربط الكهرباء من بلدة القعقعية».



