رأي

 يتحدثون عن التقدّم فيما الجنوب يُهدّم (الشيخ علي حلاوي) 

 

كتب الشيخ علي حلاوي – الحوارنيوز

 

طالعتنا الأخبار صباح اليوم بتدمير مدرسة الشيخ نعيم مهدي الرسمية في زوطر الشرقية، بعد أيام على تدمير مجمع السيد عبد الرؤوف فضل الله التربوي والرعائي. وهذه ليست، بحسب ما هو معلن، مواقع عسكرية ولا ثكنات ولا مخازن أسلحة، بل مؤسسات تربوية ورعائية ومدنية يعرفها أهل المنطقة ويعرف دورها كل من عاش فيها.

 

لذلك، لا نريد بيانات دبلوماسية جاهزة، ولا عبارات عامة عن «القلق» و«الإدانة». نريد إجابة واضحة:

 

ما الذي تفعله الدولة اللبنانية عندما تُدمَّر مدرسة رسمية لبنانية على أرض لبنانية؟

 

وإذا كانت الحكومة تقول إن المفاوضات مع العدو تتقدم، وإنها الخيار الأقل كلفة من الحرب، فليشرح لنا المسؤولون، وبكل صراحة:

 

أين هو هذا التقدم؟ وما هي كلفته الحقيقية؟

 

هل التقدم أن تُهدم المدارس؟

هل التقدم أن تُجرف القرى؟

هل التقدم أن تُدمَّر المنازل؟

هل التقدم أن تُستباح المقابر؟

هل التقدم أن تُضرب المؤسسات والبلديات والممتلكات المدنية؟

وهل المطلوب من الناس أن تعتبر كل ذلك «كلفة مقبولة» بينما لا ترى أي نتيجة ملموسة على الأرض؟

 

الناس ليست ساذجة.

 

لا يمكن أن تقولوا للبنانيين إن المفاوضات تحقق نتائج، بينما المشهد على الأرض يقول شيئًا آخر تمامًا. لا يمكن أن ترفعوا العلم اللبناني في زوطر في مشهد احتفالي وكأن صفحة الاحتلال والاعتداء قد طُويت، فيما العدو على مسافة قريبة، وما زال يهدم ويقصف ويعتدي.

 

رفع العلم لا يعني تحرير الأرض.

 

والصورة أمام الكاميرات لا تصبح إنجازًا سياديًا إذا كان المواطن لا يزال يرى الجرافة الإسرائيلية تهدم منزله أو مدرسته أو مؤسسته.

 

كان يمكن لهذا المشهد أن يكون لحظة وطنية حقيقية لو كان إعلانًا عن انتهاء الاعتداءات وعودة الأمان إلى الناس. أما أن يُرفع العلم فيما العدوان مستمر، فالسؤال المشروع هو: هل نحن أمام إنجاز حقيقي أم أمام استعراض سياسي؟

 

والأخطر من ذلك هو الصمت الرسمي.

 

أين الموقف اللبناني الواضح من تدمير المدارس والمؤسسات المدنية؟

 

أين توثيق هذه الاعتداءات؟

 

أين الشكاوى الرسمية إلى الأمم المتحدة؟

 

أين التحرك الدبلوماسي؟

 

أين استدعاء السفراء والجهات الدولية المعنية؟

 

أين الصوت اللبناني عندما تُدمر مؤسسة تربوية رسمية يفترض أنها تحت حماية الدولة؟

 

لا يكفي أن نسمع أن الدولة «تتابع» أو «تستنكر» أو «تتواصل». المواطن يريد أن يعرف ماذا فُعل تحديدًا، وماذا تحقق، وما هي الخطوات التي اتُخذت لحماية ما تبقى من القرى والمؤسسات.

 

ثم إن هناك مسألة أخطر يجب أن تكون موضع مساءلة علنية:

 

إذا كان العدو يعلن أن عملياته تتم بالتنسيق مع جهات أميركية ولبنانية، فهل تنفي الحكومة اللبنانية هذا الكلام بشكل صريح ورسمي؟ وإذا كانت تنفيه، فأين موقفها العلني؟ وأين الإجراءات التي تؤكد للبنانيين أن دولتهم لا تقبل بأن تتحول سيادتها إلى مجرد غطاء سياسي لما يجري على الأرض؟

 

لا يجوز أن يبقى اللبناني آخر من يعلم.

 

الناس تريد الحقيقة كاملة، لا بيانات مصاغة بلغة دبلوماسية لا تقول شيئًا.

 

نحن أمام قرى تُدمَّر، ومؤسسات تُسحق، ومدارس تُمحى، وبيوت تُجرف، وذاكرة أماكن كاملة يجري العبث بها. وفي المقابل، يسمع اللبناني عن «تقدم» وعن «مراحل جديدة» وعن «إنجازات»!

 

فليُشرح لنا هذا التناقض.

 

إذا كانت المفاوضات ناجحة، فأين نتائجها؟

وإذا كانت الاعتداءات مستمرة، فما الذي يمنعها؟

وإذا كانت الدولة تملك قرارها، فلماذا لا نرى فعلًا يوازي حجم الاعتداء؟

 

لقد بلغ الاحتقان الشعبي حدًا لا يجوز تجاهله.

 

والغضب الذي يتراكم اليوم ليس بسبب خطاب سياسي أو انقسام داخلي؛ إنه غضب إنسان يرى مدرسته تُهدم، وبلدته تُعتدى، وممتلكاته تُدمَّر، ثم يُطلب منه أن يصفق لمشهد رفع علم وأن يصدق أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.

 

كفى استخفافًا بعقول الناس.

 

نريد دولة تتحدث بوضوح، وتتحرك بوضوح، وتعلن للبنانيين ماذا فعلت وماذا ستفعل.

 

نريد أن نعرف لماذا تُدمَّر المدارس دون أن نرى ردًا يوازي حجم الجريمة.

 

نريد أن نعرف كيف يمكن الحديث عن تقدم بينما الاعتداء مستمر.

 

نريد أن نعرف من يحمي المؤسسات الرسمية اللبنانية.

 

ونريد أن نعرف أين تقف الدولة فعليًا عندما تُنتهك سيادتها أمام أعين العالم.

 

أما الاستعراضات والصور ورفع الأعلام، فليست بديلًا عن السيادة.

 

السيادة أن تستطيع الدولة حماية أرضها ومؤسساتها ومواطنيها.

 

والتحرير ليس مشهدًا أمام الكاميرات، بل واقعًا يشعر به المواطن على أرضه.

 

والتفاوض ليس إنجازًا بحد ذاته إذا كان الطرف الآخر يواصل فرض الوقائع بالقوة.

 

لقد طال الانتظار، وكثرت الوعود، واتسعت الهوة بين الكلام الرسمي وما يراه الناس بأعينهم.

 

ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من الشعارات، بل الحقيقة والموقف والفعل.

 

فالجنوب ليس ورقة تفاوض، والمدارس ليست أهدافًا عسكرية، والمؤسسات الرسمية ليست مباني بلا قيمة، وكرامة اللبنانيين ليست تفصيلًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء المفاوضات.

 

قولوا للناس الحقيقة كما هي.

ماذا يجري؟ ماذا تحقق؟ ماذا خسرنا؟ ماذا فعلتم؟ وماذا ستفعلون؟

 

لأن الناس، ببساطة، لم تعد تحتمل أن ترى وطنها يُدمَّر، ثم تسمع في المساء أن الأمور «تتقدم».

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى