رجل الفكر السياسي..بين المستقل والمنتسب (سعيد فارس السعيد)

بقلم د . سعيد فارس السعيد – الحوارنيوز
هناك رجال فكرٍ وسياسةٍ لا تُعرّفهم المناصب، ولا تصنعهم الولاءات الضيقة، بل تصنعهم مواقفهم عندما تختبرهم الأزمات، وتكشف الأيام صدق مبادئهم وثباتهم.
إنهم قامات فكرية مستقلة، تعرفها المجتمعات بمختلف مكوّناتها، وتشهد لها ساحات العمل لا منصات الدعاية، ويقاس حضورها بما تقدمه من وعيٍ ورؤيةٍ ومسؤولية، لا بما تحققه من مكاسب أو امتيازات.
لا يبيعون أقلامهم، ولا يبدّلون قناعاتهم تبعًا لتغيّر موازين القوى، ولا يجعلون الحقيقة رهينة للمصلحة، ولا الكلمة وسيلة للتقرب من أصحاب النفوذ.
هؤلاء ليسوا مجرد كتّاب أو محللين سياسيين، بل هم أصحاب رسالة؛ يحملون مسؤولية الكلمة، ويدركون أن الفكر الصادق قد يكون في أحيان كثيرة أكثر أثرًا من القوة، وأن الكلمة الحرة قد تصنع وعيًا يبقى أثره سنوات طويلة.
ولا يُقاس هؤلاء بما يملكون من مال أو جاه، بل بما يحافظون عليه من كرامة واستقلال، وبما يرفضون التفريط به من مبادئ، وبما يتحملونه من أثمان في سبيل قناعاتهم.
قد يعيشون بعيدًا عن الأضواء، لكن حضورهم يبقى راسخًا في ضمير الناس، لأنهم اختاروا أن يكون ولاؤهم للقيم والعدالة والإنسان، وأن يكون اجتهادهم الفكري منطلقًا من ضميرهم ومسؤوليتهم، لا من إملاءات الآخرين.
وفي المقابل، فإن الانتماء إلى مؤسسة أو حزب أو دولة لا ينتقص بالضرورة من قيمة المفكر أو الباحث، ما دام قادرًا على الحفاظ على نزاهته العلمية واستقلال حكمه، وأن يقدّم المصلحة العامة على المصالح الضيقة. فالاستقلال الحقيقي يبدأ من استقلال الضمير، قبل أن يكون استقلالًا تنظيميًا أو سياسيًا.
إن المجتمعات التي تحترم أصحاب الفكر الحر، وتمنحهم مساحة للتعبير والحوار، تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات وبناء مستقبلها، لأن الأفكار الصادقة تسبق الإصلاح، والحوار المسؤول يسبق الاستقرار.
فلا تُهمِلوا أصحاب الكلمة الحرة، ولا تستخفوا بصمتهم؛ فالصمت أحيانًا يكون موقفًا، والتريث حكمة، والكلمة التي تُقال في وقتها قد تغيّر مجرى الأحداث.
إن الاهتمام بالمفكرين والباحثين المستقلين ليس مجاملة لأشخاص، بل هو استثمار في وعي المجتمع، واحترام للعقل، وانحياز للصدق والنزاهة، وحماية للقيم التي تجعل الأوطان أقوى، والإنسان أكثر حرية وكرامة.
*كاتب وباحث استراتيجي مستقل



