ماتت الأمم المتحدة .. وإكرام الميت دفنه ! (أحمد موسى)

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

كنت يوم أمس أشاهد فيلمًا أجنبيًا عن إحدى الطالبات في المرحلة الثانوية التي تعرضت لحادث سقوط أدى إلى دخولها في حالة (كوما) لعشرين عامًا، بعدها استفاقت لترى أن الدنيا قد تغيّرت كثيرًا من حولها، وألغيت العديد من القوانين الدراسية وتبدلت، وأن الحياة قد تقدمت بفضل تكنولوجيا الهواتف المحمولة والإنترنت، فشككت في نفسي إذا ما كنت قد تعرضت لحادث مشابه منذ مدة، وأفقت اليوم فوجدت أن الأمم المتحدة لم تعد موجودة أو أنها قد ألغيت، وتم إنشاء كيان جديد لم أسمع به بعد، ثم سألت وتيقنت أن ذلك لم يحدث، وأن الأمم المتحدة ما زالت موجودة ككيان، فتساءلت في نفسي إذًا لماذا لم أعد أسمع خبرًا عنها وأنا المتابع لتفاصيل تفاصيل الأخبار المحلية والعالمية؟
محزنٌ ومخزٍ الحال التي وصلت إليها الأمم المتحدة، ويبدو أنها تعرضت لحادث منذ سنوات فدخلت في غيبوبة أو أن علة أو حادثًا قد أصاب حنجرتها فسكتت عن الكلام، حتى المباح منه.
صحيح أنه ومنذ بدء الألفية الثالثة قد أصاب الأمم المتحدة مرض الولاء لأمريكا والكيان الصهيوني، لكن الصحيح أيضًا أننا كنا نسمع صوتها ولو المنخفض، فنستأنس به، ويغمرنا الفرح بأنها ما زالت موجودة، ولو بصفة شاهد على القتل والإجرام الذي يحدث في هذا العالم، أما منذ سنوات ثلاث فصمت مطبق وسبات عميق، وإذا ما أيقظها أحد بصراخ وجعه وألمه، نراها تسدّ أذنيها، وتميل بوجهها عنه، كأنها لا تريد أن تسمع أو ترى عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى في غزة ولبنان وسوريا وإيران، وتهجير مئات الآلاف الذي هو بمثابة جريمة حرب، وتدمير لعشرات الآلاف المباني، وتجريف البنى التحتية كتعبير عن تمييز عنصري قاتل، ومع ذلك كله لم نسمع منها حسًا ولم نر منها أنيسًا.
لا ندري أما زال سكرتير الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس حيًا؟ وإذا كان كذلك ألم يرأف قلبه لقتل الأطفال والنساء والعجزة؟ ألم ير أن إلقاء الطائرات لملايين الأطنان من القنابل مسًا بالأمن والسلم العالميين الذي من أجلهما أنشئت هذه المؤسسة الدولية؟
عجبًا أنه في زمن كورونا لم يهدأ، وكانت إطلالاته صباحية ومسائية وعلى كل شاشات العالم يُندد بهذا الفيروس المتوحش الذي يفتك بالناس صغارًا وكبارًا، أما اليوم فهو شيطان أخرس أمام هذا الفيروس الأمريكي الصهيوني المتوحش. لا نطلب منه إيقاف حرب أو إرسال جنود حفظ سلام منتشرين في أماكن كثيرة في العالم حيث لا حروب ولا معارك، ولا نطلب منه الدخول في مواجهة مع أسياده الأمريكيين والصهاينة، كل ما نتمناه هو كلمة عزاء لأهالي الشهداء والجرحى، وتلاوة مواثيق وأعراف الأمم المتحدة التي كان هو ومن سبقه يكررونها على مسامعنا في كل حرب أو مشكلة تضررت منها مصالح أمريكا والصهيونية العالمية.
في كل تلك الاعتداءات والحروب في مختلف أنحاء العالم كانت الشعوب تتطلع إلى الأمم المتحدة لتكون وسيطًا نزيهًا، أو داعية لوقف هذه الحروب، حتى هذا الأمر البسيط لم تعد تفعله الأمم المتحدة، وقد أُعفيت منه. حصلت حروب وهدن، ومشاكل وتفاهمات، ونزاعات واتفاقات، كلها حصلت بعيدًا عن الأمم المتحدة، ولم يُسأل خاطرها ولو كشاهد أو مراقب أبدًا. يبدو أن العالم أجمع قد اقتنع أن الأمم المتحدة ماتت، لكن الجميع ينتظر اللحظة المناسبة لإعلان ذلك، قد يكون انشغال الأوروبيين بحرب أوكرانيا منعهم من ذلك، أو انشغال أمريكا في حرب إيران قد أجل ذلك أيضًا، أو أن الجميع بانتظار حرب عالمية ثالثة تُعلن موتها وقيام مؤسسة عالمية جديدة، كما حدث مع عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن تحولت إلى مؤسسة لا يحترمها أحد، ولم تعد تُغني ولا تسمن في الحروب والنزاعات.
ها هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطلق رصاصة الرحمة عليها. فهو قد توسل باكستان للوساطة بينه وبين إيران، ثم أشرك قطر في ذلك، وأمس ترجى الصين أن تدخل وسيطًا بينهما، وهو يغازل روسيا في موضوع إيران علّها تهمس في أذن الإيرانيين بمشاكله التي أوقع نفسه وأمريكا والعالم فيها، ولم نره يذكر الأمم المتحدة التي وجدت لتكون وسيطًا وشريكًا في إيجاد الحلول، حتى الدول الأوروبية التي تعطي المواعظ ليل نهار بالديمقراطية والعودة إلى المواثيق الدولية لم تعر الأمم المتحدة أي اهتمام.
بالرغم من كل ذلك فإننا نعتقد أن الأمم المتحدة كانت تستطيع أن تكون رائدة في ما أنشئت لأجله، إلا أن خضوعها للهيمنة الأمريكية والصهيونية قد أفقدها نقاط قوتها، وهي ككثير من المؤسسات التي إن لم تُجدد نفسها وتواكب عصرها تضعف وتندثر.
من يوقظ أنطونيو غوتيريس من سباته، ويقول له إن إكرام الميت دفنه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟



