رأي

كيف يقابل العرب إحسان إيران بالإساءة ؟(أحمد حوماني)

 

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

ما إن دخلت بلاد فارس في الإسلام حتى أعطت زخمًا قويًا للتقدم في العلوم الدينية والعلوم الطبيعية على مختلف مستوياتها. فقبل دخولها في الإسلام لم يظهر إبداع العرب في أي علم من العلوم، ونقصد ببلاد فارس إيران بالتحديد ودول الجوار من آسيا الوسطى. حتى العلوم الدينية من أحاديث وروايات النبي (ص) وتفسير القرآن لم تكن قد دوّنت بالشكل الذي يليق، وإذا ما ألقينا نظرة على علماء المسلمين الذين شكّلوا الحضارة الإسلامية التي تباهى بها العالم لمئات السنين، فنجد أن أغلبهم من بلاد فارس وخصوصًا من إيران.

 ويكفي أن نعلم أن أئمة الحديث الستة هم من الفرس، وعلى رأسهم البخاري الذي هو من بخارى، ومسلم النيسابوري من إيران، وهما صاحبا أصح كتب الحديث بعد القرآن حسب اعتقاد أغلب المسلمين، إضافة إلى إسحاق بن راهويه والبيهقي والحاكم والكثير من أعلام علم الحديث. أما علماء التفسير فمعظمهم من الفرس وعلى رأسهم الزمخشري والرازي والبغوي وغيرهم من علماء التفسير. وأما أئمة اللغة العربية والأدب فكانوا فرسًا على رأسهم سيبويه ونفطويه وأبو علي الفارسي والزجاج وابن المقفع وبديع الزمان الهمداني. وأما علم الفقه فقد برز فيه كثير من العلماء الفرس على رأسهم أبو حنيفة النعمان، مؤسس المذهب الإسلامي الحنفي، والعلوم الطبيعية فأغلب علمائها من الفرس، كابن سينا وجابر بن حيان والخوارزمي والحسن بن الهيثم والفارابي والبيروني. فالقائمة تطول وتطول من أسماء العلماء الفرس الذين حملوا مشكاة العلم في الحضارة الإسلامية. ومن هنا فإن الحضارة الإسلامية تدين بتقدمها وتطورها للفرس وإيران بشكل خاص.

نعود إلى التاريخ المعاصر لنتحدث في السياسة. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني فتحت إيران ذراعيها لجيرانها العرب، وتبنّت قضيتهم الأولى يومها وهي قضية فلسطين، وأغلقت سفارة الكيان الصهيوني وحولتها إلى سفارة لدولة فلسطين، لكن فجأة ومن دون مقدمات مزّق صدام حسين اتفاق الجزائر الذي رسم الحدود بين إيران والعراق وشن حربه الظالمة عليها – وهي في بدايات تنظيم ثورتها – التي استمرّت لثمانية أعوام بدعم من العديد من الدول العربية، وخصوصًا دول الخليج – وكُشف لاحقًا أن تمويل الحرب كان من جيوبهم مجتمعين – كما الدعم الغربي والأمريكي بكل أنواع الأسلحة المتطورة من طائرات حربية وصواريخ بعيدة المدى وغيرها، ومع كل ذلك عندما انتهت الحرب لم تتخذ إيران أي موقف سلبي من أي دولة عربية أو خليجية، بل دعت إلى طي صفحة الماضي وفتح صفحة بيضاء من العلاقات معهم. وكما يقول المثل: “علمته الرماية فلما اشتد ساعده رماني”، فكان أن انقلب عليهم صدام حسين واجتاح الكويت وتسبب بخرابها، واستدعى مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين والغربيين إلى البلاد العربية، ولاحقًا إلى تدمير العراق بشكل إجرامي ووحشي.

في حرب حزيران من العام الماضي حين شنّ العدو الصهيوني عدوانه الغادر على إيران، ردّت إيران بقوة على هذا العدوان ودكّت القواعد العسكرية على كامل أراضي الكيان الغاصب، ورغم علمها بأن أمريكا ومن خلال قواعدها العسكرية في دول الخليج قد قدمت المعلومات الاستخبارية والدعم اللوجستي للعدو الصهيوني، إلا أن إيران لم تُقدم على استهداف أي من هذه القواعد، وذلك في محاولة لعدم تعكير العلاقات بينها وبين الدول الخليجية، واكتفت يومها بالتحذير والتنبيه.

 لكن ما حدث في الحرب الأخيرة أن أمريكا شاركت بشكل مباشر في الهجوم على إيران، واستخدمت قواعدها في الدول الخليجية لقصف الأراضي الإيرانية، سواء بالصواريخ أو عبر الطائرات التي كانت تنطلق من تلك القواعد في هذه الدول، كما شاركت الدفاعات الجوية لدول الخليج بالتصدي للصواريخ الإيرانية المتوجهة نحو أهدافها في الكيان الغاصب، ورغم ذلك كلّه اكتفت إيران بقصف القواعد العسكرية الأمريكية بشكل مباشر، ولم تتعرض لأي هدف عسكري لهذه الدول، أو لأهداف بنى تحتية، وقد حذرت مرارًا قادة دول الخليج من باب النصح وحسن الجوار أن تمنع استخدام هذه القواعد في الهجوم عليها لكن ذلك لم يحدث. وفي أثناء الحرب كان وزير خارجية إيران على تواصل دائم مع نظرائه في دول الخليج معاتبًا وطالبًا منع استخدام أراضيهم للاعتداء على إيران. وعندما تمّ توقيع التفاهم بين إيران وأمريكا دعت إيران دول الخليج إلى تأسيس منظومة أمن للمنطقة تتشكل من دولها حصرًا ومع ذلك لم تتجاوب هذه الدول مع الدعوات الإيرانية.

في الأسبوعين الأخيرين، وبعد يأس الأمريكي من تحقيق أي من أهدافه، سواء من خلال الحرب العسكرية أو من خلال جولات التفاوض مع إيران، يبدو أنه لجأ إلى أسلوب خبيث، وهو استخدام قواعد أمريكية مستحدثة تقع قرب المطارات والمنشآت العسكرية لدول الخليج مستدرجًا إيران للرد عليها، وما قد يُسبّبه ذلك من أضرار للمناطق المستهدفة، وقد أوعز إلى أبواقه الإعلامية بإعادة النفخ في البوق الطائفي ليحوّل الحرب من حرب بين أمريكا والعدو الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى إلى حرب بين إيران ودول الخليج، محاولًا استعادة الزخم الطائفي الذي رافق عدوان صدام حسين على إيران في بداية الثمانينات، كما بدأت منظومته الإعلامية بإعادة استخدام عبارات ومصطلحات غابت عن الساحة الإعلامية لسنوات طويلة، فبدأ عملاؤه الإعلاميون ببث سمومهم على شاشات التلفزة ومواقع التواصل بالحديث عن الفرس والخطر الفارسي والتمدد الشيعي.

يظهر أن أمريكا قد اقتنعت أن وجودها في منطقة الخليج أصبح صعبًا إن لم نقل مستحيلًا، نظرًا لارتفاع بعض الأصوات العربية التي تتحدث عن أن هذه القواعد العسكرية ما هي إلا احتلال مقنع بدور الحماية، وأنها لم تستطع حماية هذه الدول عدا عن حماية نفسها، والبعض اعتبر أن وجودها هو حصرًا للدفاع عن الكيان الصهيوني، فلجأ الأمريكي إلى سلاح الفتنة الذي يُبدع فيه ووجه كل إعلامه المكشوف والمستور في اتجاه زرع الفتنة بين إيران وجيرانها.

إيران التي تقف موقف الدفاع عن شعبها وأرضها، لم تُرد يومًا السوء والشر لجيرانها العرب، بل تتمنى لهم الخير دومًا، ولطالما عرضت عليهم تشارك الخبرات في المجالات العلمية والنووية، خاصة بعيدًا عن سطوة أمريكا التي أدخلتهم في متاهة حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وهم يدفعون ثمنها من أمنهم واقتصادهم، أما إيران فهي حتى اليوم وبالرغم من كل ما حدث ما زالت تعتبر أن الحل في منطقة الخليج هو بإخراج هذه القواعد العسكرية الأمريكية، وإيجاد نظام أمن مشترك يحفظ حقوق الجميع الأمنية والاقتصادية والسياسية.

عجبًا للساسة في دول الخليج.. يقرّبون الغريب، ويبعدون الأخ والصديق، لكن إيران التي تعتبرهم جميعًا إخوة لها في الدين، وجيرانًا في الجغرافيا، ما زالت تحاول حفظ حق الجار، وحق الإخوة الإسلامية، كما أوصى بهما رسول الله (ص) وهي لن تنجر إلى الفتنة التي تتمناها أمريكا ويريدها  الكيان الصهيوني.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى