رأي

عندما تفاوض الدولة ويقاتل الآخرون… أين يقف لبنان؟ ( زينب اسماعيل)

 

كتبت زينب اسمعيل – الحوارنيوز

ربما لا يكون الحدث الأهم في أي مفاوضات هو ما يُكتب في الأوراق، بل ما يُكسر أو يُبنى في الوعي السياسي للشعوب.

فعندما تجلس الدولة اللبنانية إلى طاولة التفاوض باسمها الرسمي مع الكيان الإسرائيلي، فإن جزءاً من اللبنانيين يرى في ذلك مجرد خطوة سياسية أو أمنية تهدف إلى وقف الحرب وحماية البلاد، بينما يرى جزء آخر أن مجرد التفاوض يحمل في طياته اعترافاً بهذا الكيان كدولة على الحدود الجنوبية، حتى وإن لم يُترجم ذلك إلى سلام أو تطبيع أو علاقات طبيعية.

ولا تتوقف المسألة عند الحدود الجنوبية فقط، بل تمتد إلى سؤال أعمق وأكثر حساسية: ماذا عن الفلسطينيين؟

منذ عقود يعيش آلاف اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات اللبنانية، يحملون مفاتيح بيوت لم يعودوا إليها، وينتظرون حقاً تأخر أكثر مما ينبغي. ومع كل حديث عن تسويات أو اتفاقات أو إعادة رسم للمنطقة، يعود القلق ذاته: هل يقترب حق العودة من نهايته؟ وهل يصبح التوطين هو الحل الذي يفرضه التعب السياسي على الجميع؟

من الناحية القانونية، لا يسقط حق العودة، لكن الخوف يبقى قائماً من أن تتحول الحلول المؤقتة إلى واقع دائم، ومن أن يجد الفلسطيني نفسه بعد عقود إضافية أمام سؤال جديد: هل أصبح المنفى وطناً نهائياً؟

وفي المقابل، يطرح سؤال آخر نفسه بقوة: ماذا لو رفضت الحكومة اللبنانية التفاوض؟

هل كانت الحرب ستتوسع أكثر؟ وهل كان الجيش الإسرائيلي سيتقدم أكثر داخل الأراضي اللبنانية؟ أم أن استمرار المواجهة كان سيفرض شروطاً مختلفة على طاولة المفاوضات لاحقاً؟

لا أحد يملك جواباً مؤكداً، لأن التاريخ لا يمنحنا فرصة لتجربة الاحتمالات.

ثم يأتي السؤال الأكثر انقساماً بين اللبنانيين: إذا سُحب سلاح المقاومة، هل تعود إسرائيل إلى خلف الحدود وتغلق صفحة الصراع مع لبنان؟

هناك من يعتقد أن السلاح كان طوال سنوات عنصر الردع الوحيد الذي منع فرض وقائع جديدة بالقوة، وهناك من يرى أن بقاء السلاح خارج إطار الدولة كان سبباً دائماً لعدم الاستقرار، ولإبقاء لبنان ساحة مفتوحة لكل صراع إقليمي.

وربما تكمن المعضلة الحقيقية هنا: ماذا لو تمسكت الدولة بالاتفاقات الدولية، بينما تمسكت المقاومة بسلاحها ودورها العسكري؟ هل يستطيع لبنان أن يعيش طويلاً بقرارين استراتيجيين مختلفين؟ أم أن الخلاف الذي كان موجهاً إلى الخارج قد يتحول يوماً إلى خلاف داخلي لا يريده أحد؟

قد يختلف اللبنانيون حول المفاوضات، وحول السلاح، وحول شكل الدولة ومستقبل المنطقة، لكن ما يصعب الاختلاف عليه هو أننا لم نخرج من الحرب بعد.

فبالرغم من المفاوضات والاتفاقات والوعود الدولية، ما زال هناك شهداء يسقطون، وما زالت منازل تُقصف وتُهدم، وما زالت الحدود الجنوبية تعيش على إيقاع التوتر والترقب.

لهذا، قد يكون من المبكر الحديث عن انتصارات سياسية أو هزائم نهائية أو خرائط جديدة للمنطقة. فالحرب التي لم تتوقف نيرانها بالكامل، لا تسمح لأحد بكتابة خاتمتها بعد.

وربما سيأتي يوم يجيب فيه التاريخ عن الأسئلة التي نعجز اليوم عن الإجابة عنها، لكن حتى ذلك الحين، سيبقى لبنان واقفاً في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام، وبين ما انتهى فعلاً وما لم ينتهِ بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى