رأي

هل نتجه نحو عالم متعدد الأقطاب؟(أحمد حوماني)

 

 

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 يحلو للبعض أن يستخدم تعبير (ما بعد) للدلالة على انتهاء مرحلة ما وبداية مرحلة لاحقة، والبعض يُسوّق للمرحلة اللاحقة على أنها تختلف كليًا عمّا قبلها، فيُقال مثلًا: الحداثة وما بعد الحداثة، الليبرالية وما بعد الليبرالية، العولمة وما بعد العولمة، وهكذا دواليك.

سألني أحد الأصدقاء الأعزاء حول دور العالم العربي في عصر ما بعد العولمة، وهل يمكن للحضارة العربية والإسلامية أن تجدد نفسها بحيث تتصدر المشهد العالمي من جديد؟ وقد أثارني هذا السؤال للحديث عن الهيمنة الأمريكية على العالم باعتبارها نموذجًا واضحًا لعولمة السيطرة والتحكم. لكن يجب حسم موضوع عولمة الهيمنة على العالم قبل الكلام عن عصر ما بعد العولمة.

والسؤال الأول هو: هل فعلًا انتهى عصر العولمة لنقول إننا أصبحنا في عصر ما بعد العولمة؟ لا يبدو ذلك، فالعولمة بما تمثله من تواصل بين الأمم والدول وتخطي الحدود ما زالت قائمة، وهي ستستمر وتزداد طالما استمرّ هذا التطور التكنولوجي الحاصل، وتزايدت حاجة العالم إلى بعضه البعض في كثير من المجالات الاقتصادية والاجتماعية. إذاً ما زلنا في عصر العولمة التي تتحكم بمفاصله أمريكا. وهنا يبرز السؤال الثاني: هل نحن في عصر انتهاء أحادية النظام العالمي؟ وهذا الأمر مختلف عن موضوع العولمة، إذ إن إعادة تشكّل النظام العالمي هي من الصيرورة التاريخية التي لا بد منها، وبالتالي الحديث هنا عن انتهاء الهيمنة الأمريكية على العالم.

هذا الأمر يحتاج إلى مناقشة من أكثر من زاوية، لأن الهيمنة الأمريكية تجذّرت في العالم بشكل كبير، وتنوعت من حيث المواضيع؛ فهي هيمنة اقتصادية وعسكرية وثقافية، وبالتالي قد تتراجع إحدى مفردات هذه الهيمنة بينما تبقى الأخرى. إن قراءة تركيبة العالم كما هو الآن لا تشي بانتهاء هيمنة القطب الواحد، لأن العالم ما زال مرتبطًا برأس هذا النظام بطريقة أو بأخرى. ففي الموضوع العسكري تنتشر القواعد الأمريكية في كل قارات العالم، وربما في أغلب دولها، وهذا الحضور هو نوع من الاحتلال العسكري ولو تحت عناوين الدفاع والحماية، والتخلص من هذه الهيمنة بحاجة إلى مسار طويل لا تملك معظم الدول القدرة على السير فيه.

وفي الموضوع السياسي ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية اللاعب الأكبر في العالم بما بنته من منظومات حكومية في أغلب دول العالم، فهي تتحكم في مصير كثير من الدول من الوجهة السياسية، بل وتستطيع تغيير هذه الأنظمة بسرعة كبيرة إذا أرادت ذلك. ونحن نعلم أنها في كثير من الدول، حتى الأوروبية منها، هي من تُحيك وصول الرؤساء والقادة، وبالأغلب هم خريجو تربيتها، وهي تهيمن على قادة الجيوش فيها، وتربطهم بعلاقات لا يمكن الفكاك منها بسهولة.

إذًا، الحديث الأهم هو حول الهيمنة الاقتصادية، وهو الشق الذي يبدو للوهلة الأولى أنه يمكن التخلص منه، فهل حقًا يمكن ذلك؟ جميعنا يعلم أن الخطوط الاقتصادية للعالم تتلاقى في الولايات المتحدة الأمريكية، سواء هيمنة الدولار كعملة أساسية في العالم، أم الحركة المصرفية المرتبطة بنظام (سويفت)، أم كون الاقتصاد الأمريكي من أكبر اقتصادات العالم مع ما يعانيه من ضعف في بعض النقاط. هنا يبدو بصيص أمل في إنهاء هذه الهيمنة التي إذا حصلت قد توجه ضربة كبيرة لهيمنة القطب الواحد، وتأخذ العالم نحو تعدد الأقطاب. طبعًا جرت وتجري محاولات لتشكيل مجموعات دولية يمكن أن تحقق هذا الهدف، لكن بالرغم من ذلك ما زالت مصالح تلك الدول تتضارب في نقاط معينة، وتتوافق بعض مصالحها مع النظام الاقتصادي الأمريكي، لذا هناك أمل لكنه ما زال ضعيفًا.

أمر آخر يجب أخذه في عين الاعتبار، وهو أن البعض ينظر إلى الهيمنة الأحادية على أنها هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا في الظاهر صحيح، لكن فعليًا هي هيمنة مجموعة من الدول تحت المظلة الأمريكية، مثل الدول الأوروبية، فمصالحها تتقاطع مع المصالح الأمريكية في أغلب الأحيان، وبالتالي هي جزء من هذه الهيمنة. فهل تقبل بسقوط هذا النظام الأحادي ولصالح من؟

في الخلاصة، من استطاع بناء وتركيب هذا العالم بهذا الشكل السياسي والعسكري والاقتصادي ما زال يملك القدرة على الحفاظ عليه بالرغم من كل محاولات التملص من بعض ضوابطه، وما زال ينسج خيوط شبكته العنكبوتية المتحكمة بمفاصل هذا العالم، وهو يقاتل لبقاء هيمنته وسد كل ثغرة يمكن أن ينفذ منها مشروع جديد لإعادة تشكيل هذا العالم. هنا نأتي إلى الإجابة على السؤال الأساسي المطروح: هل في العالم من عنده القابلية والقدرة على تشكيل نظام عالمي جديد؟ قد نكون أجبنا على السؤال بما تقدم، وقد تكون نظرة متشائمة، لكننا نعتقد أنها واقعية نوعًا ما. لكن قبل الوصول إلى الإجابة على هذا السؤال، هناك أيضًا مقدمات عدة لا بد من حصولها:

أولًا: وصول النظام العالمي الحالي إلى مرحلة من الضعف بحيث يرضخ للواقع المستجد في العالم، وهذا لن يكون إلا بانهيار اقتصادي داخلي لرأس هذه المنظومة، أو بخسارة عسكرية فادحة تُضعف قدرته على الهيمنة السياسية على دول العالم، أو الاثنين معًا بدرجة أقل، لكن اجتماعهما يؤدي إلى النتيجة المتوخاة.

ثانيًا: وجود بديل أو بدلاء لاستغلال هذا الضعف بشكل مباشر قبل أن يستطيع هذا النظام إعادة تعويم نفسه من جديد.

ثالثًا: امتلاك هذا البديل أو البدلاء منظومة موحدة تُقنع الآخرين بتبنيها والسير بها.

الإجابة على الأسئلة الثلاثة هي أن هذا النظام العالمي لم يصل بعد إلى مرحلة الضعف التي تُسقطه، وإن تلقى العديد من الضربات القاسية. كما أنه حتى الساعة لم يبرز بديل جدّي أو بدلاء جدّيّون يمكنهم استغلال نقاط الضعف الموجودة، كما أنه لم يتشكل بديل يملك منظومة متكاملة تُقنع العالم بتبنيها.

إن إعادة تشكيل العالم عادة ما يحصل بعد حروب عالمية كبيرة، لكن في عصر العولمة ليس من الضروري أن تكون هذه الحروب عسكرية كما عهدناها سابقًا، بل قد تكون حروبًا اقتصادية، أو حروبًا أهلية داخلية تُضعف القوة المهيمنة على العالم، أو حروبًا تكنولوجية لم نرَ لها مثيلًا في السابق.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى