دراسةسياسة

قراءة استراتيجية في التباين بين المسارات التفاوضية حول جنوب لبنان وإشكالية الاتفاق الإطاري (بهاء حلال)

 

 

 

 

كتب العميد الركن. د .بهاء حسن حلال – الحوارنيوز

 

مقدمة

تُظهر الأزمات الممتدة في الشرق الأوسط أن الاتفاقات لا تُقاس فقط بما تنصّ عليه، بل أيضًا بما تؤجله وما تتركه غامضًا. وفي الحالة اللبنانية–الإسرائيلية، عاد الجدل بقوة مع ظهور حديث عن اتفاق إطاري جرى التفاوض حوله في واشنطن، بالتوازي مع تداول تصورات أخرى نُسب إليها أنها تقوم على وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب غير مشروط.

هذا التباين ولّد نقاشًا سياسيًا واستراتيجيًا يتجاوز السؤال التقليدي حول الحرب والسلم، ليصل إلى سؤال أكثر عمقًا: هل أصبح الانسحاب من الأراضي المحتلة نتيجة تفاوضية مرتبطة بشروط أمنية وسياسية، بعد أن كان يُنظر إليه قانونيًا بوصفه أصلًا سابقًا على أي ترتيبات لاحقة؟

لا تنطلق هذه الدراسة من تبني أي رواية سياسية، بل من تحليل الفرضيات المطروحة وآثارها القانونية والعسكرية والجيوسياسية.

 

أولًا: منطق المسارين التفاوضيين : اختلاف أدوات أم اختلاف أهداف؟

 

تقوم الفرضية الأولى على وجود تباين بين مسارين:

 

الأول: مقاربة تقوم على وقف إطلاق نار شامل وانسحاب كامل ثم الانتقال إلى معالجة الملفات السياسية والأمنية.

الثاني: مقاربة تربط الانسحاب بإعادة بناء البيئة الأمنية الداخلية، وخصوصًا احتكار الدولة لأدوات القوة.

هنا يظهر تحول مهم في فلسفة إدارة الصراع.

فالمدرسة التقليدية في النزاعات الحدودية تعتبر أن إنهاء الاحتلال يسبق إعادة بناء الترتيبات الداخلية، بينما تميل المقاربات الأمنية الحديثة إلى دمج المسارين بحيث يصبح الانسحاب جزءًا من حزمة ترتيبات أوسع.

ومن هنا ينشأ الانطباع بالتناقض: لأن ما يُفهم داخليًا كحق سيادي قد يُدار خارجيًا كملف تفاوضي مركب.

ثانيًا: الاتفاق الإطاري – ما قيمته القانونية؟

قانونيًا، يجب التمييز بين:

 

المعاهدة: وثيقة ملزمة تُنشئ حقوقًا والتزامات واضحة.

 

مذكرة التفاهم: إطار سياسي أو تنفيذي قد لا يبلغ مستوى الإلزام الكامل.

 

الاتفاق الإطاري: وثيقة تحدد المبادئ والمسار دون حسم التفاصيل النهائية.

 

وعليه، فإن الاتفاق الإطاري لا يساوي تلقائيًا معاهدة نهائية.

لكن الإشكالية تظهر عندما:

 

لا تُنشر البنود.

 

تبقى المفاهيم الأساسية غير معرّفة.

 

تُرحّل التفاصيل إلى لجان لاحقة.

 

في هذه الحالة، قد يتحول الغموض من أداة مرونة تفاوضية إلى مصدر نزاع سياسي داخلي.

ثالثًا: الحزام الأمني الجديد : إعادة إنتاج أم مفهوم مختلف؟

 

إحدى أكثر النقاط حساسية تتعلق باستخدام تعابير من نوع «منطقة أمنية» أو ربط عودة السكان بتحقق شروط أمنية.

عسكريًا، المناطق الأمنية تؤدي عادة إلى ثلاثة أهداف:

 

خلق عمق دفاعي.

 

تقليل الاحتكاك المباشر.

 

نقل التهديد إلى مسافة أبعد.

 

لكن استراتيجيًا، كلما طال أمد المنطقة الأمنية، ارتفع خطر تحولها من تدبير مؤقت إلى واقع سياسي يصعب تغييره.

لذلك فإن الإشكالية ليست في التسمية فقط، بل في: مدة الإجراء، آلية إنهائه، والجهة التي تحدد تحقق شروط الانتهاء.

 

رابعًا: لماذا قد ينتقل الملف من الوفد العسكري إلى الوفد المدني؟

 

إذا صح توصيف انتقال إدارة المفاوضات من الوفد العسكري إلى المدني، فهناك عدة تفسيرات ممكنة:

 

الأول: أن النقاش خرج من الحيز العملياتي إلى الحيز السياسي.

الثاني: وجود تقدير بأن القرار النهائي يتعلق بالسيادة والعلاقات الخارجية أكثر من ترتيبات الميدان.

الثالث: الرغبة في نقل كلفة القرار من المؤسسة العسكرية إلى السلطة السياسية المنتخبة.

لكن في المقابل، يطرح هذا التحول سؤالًا مشروعًا:

هل حصل توافق مؤسساتي كامل، أم أن السياسة سبقت التقدير العسكري؟

 

خامسًا: عدم تسمية المناطق وعدم نشر البنود

 – بين المرونة والغموض

في النزاعات المركبة، يُستخدم الغموض أحيانًا لتسهيل الوصول إلى الاتفاق.

لكن عندما يتعلق الأمر: بالسيادة، والعودة السكانية، والوجود العسكري، فإن الغموض يصبح مكلفًا.

 

إذ تنتقل المعركة من الميدان إلى تفسير النصوص.

 

سادسًا: هل نحن أمام تشريع للاحتلال أم إدارة انتقالية للنزاع؟

هذه النقطة تمثل جوهر الخلاف السياسي.

 

الرؤية الأولى: ترى أن أي بقاء عسكري مشروط أو مفتوح زمنيًا يقترب من تثبيت واقع احتلالي.

 

الرؤية الثانية: ترى أن الترتيبات الانتقالية قد تكون وسيلة لمنع تجدد الحرب وإنشاء مسار انسحاب لاحق.

 

والفارق بين الحالتين لا يُقاس بالتصريحات، بل بثلاثة عناصر:

 

وجود جدول زمني.

 

وضوح شروط الانسحاب.

 

وجود جهة ضامنة وقابلة للمساءلة.

 

خاتمة

قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: من ربح التفاوض؟

بل: أي نموذج يُبنى للجنوب اللبناني؟

هل هو نموذج استعادة سيادة كاملة ثم إعادة تنظيم الأمن؟

أم نموذج أمن مشروط تصبح فيه السيادة نتيجة متدرجة؟

إن التاريخ الاستراتيجي للنزاعات يُظهر أن الاتفاقات لا تُقاس بلحظة توقيعها، بل بقدرتها على منع تحويل التدابير المؤقتة إلى حقائق دائمة.

وهنا تبقى الشفافية، ووضوح الالتزامات، واحتفاظ الدولة بقرارها السيادي، عناصر حاسمة في الحكم على أي اتفاق.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى