عندما تُعطي الدولة الشرعية لبقاء الاحتلال ( زينب إسماعيل)

كتبت زينب إسماعيل – الحوارنيوز
منذ عقود، كان الموقف اللبناني الرسمي واضحاً: أي وجود عسكري أجنبي على الأراضي اللبنانية دون موافقة الدولة هو احتلال يجب أن ينتهي فوراً ومن دون شروط.
لكن ما الذي يحدث عندما يصبح انسحاب هذا الاحتلال نفسه مشروطاً بسلسلة طويلة من الإجراءات والالتزامات والاختبارات الأمنية والسياسية؟ وهل يبقى الاحتلال احتلالاً عندما يتحول بقاؤه إلى بند تفاوضي مرتبط بأداء الدولة وشروط الآخرين؟
النص المبدئي للاتفاق المطروح يثير هذا السؤال بوضوح.
فالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية لم يعد، وفق هذا المنطق، نتيجة طبيعية لكون الأرض لبنانية والسيادة لبنانية، بل أصبح مرتبطاً بعملية طويلة من نزع السلاح، وإعادة الهيكلة الأمنية، والتحقق الدولي، وإنشاء مناطق تجريبية، واستكمال ترتيبات متعددة قد تستغرق سنوات.
بمعنى آخر، يصبح الوجود العسكري الإسرائيلي مؤقتاً، لكنه مشروع سياسياً إلى أن تتحقق شروط محددة مسبقاً.
وهنا تكمن الإشكالية الأساسية.
فالدول عادة تفاوض لإنهاء الاحتلال، لا لتنظيم شروط استمراره.
وعندما يصبح انسحاب قوات العدو مرتبطاً بمدى نجاح الدولة في تنفيذ التزامات داخلية، يتحول الاحتلال من حالة مخالفة للقانون والسيادة إلى أداة ضغط وضمانة تنفيذ، ويصبح بقاؤه جزءاً من آلية الاتفاق نفسه.
الأكثر إثارة للانتباه أن النص يتحدث عن مناطق لا يعود سكانها إليها إلا بعد استكمال مراحل أمنية محددة، بينما أعلنت إسرائيل بالفعل وجود قرى وبلدات لن يسمح لسكانها بالعودة إليها في المرحلة الحالية.
وهنا يطرح اللبناني سؤالاً بديهياً:
هل أصبحت عودة المواطن إلى أرضه مرتبطة بقرار الدولة اللبنانية أم بموافقة العدو الذي يحتل تلك الأرض؟
وهل تحولت السيادة إلى مشروع مؤجل ينتظر شهادات حسن سلوك دولية وإقليمية؟
المفارقة الأكبر أن المنطقة شهدت في الوقت نفسه مفاوضات أخرى كانت إحدى نقاطها الأساسية المطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
فبينما كانت أطراف إقليمية تفاوض على أساس أن وجود القوات الإسرائيلية داخل لبنان يجب أن ينتهي، يجد اللبناني نفسه أمام نص يجعل هذا الانسحاب نتيجة نهائية مشروطة، لا نقطة بداية بديهية.
وهنا لا يعود السؤال: من ربح ومن خسر؟
بل يصبح السؤال الأكثر قسوة:
من يملك القرار الفعلي في لبنان؟
وهل أصبحت الدولة تستعيد سيادتها فعلاً، أم أنها تعيد تعريفها وفق توازنات جديدة تجعل بعض أجزاء السيادة قابلة للتفاوض وبعضها الآخر مؤجلاً إلى إشعار آخر؟
لكنّ هناك سؤالاً آخر يفرض نفسه أيضاً:
ماذا لو تمسكت الدولة بهذا الاتفاق باعتباره الطريق لاستعادة الشرعية والسيادة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وفي المقابل تمسك الحزب بسلاحه ورفض أي مسار يؤدي إلى نزعه أو وضعه تحت سلطة الدولة؟
ألن يجد لبنان نفسه عندها أمام مواجهة داخلية جديدة، تنتقل فيها الأزمة من الحدود إلى الداخل، ومن صراع حول الاحتلال والسيادة إلى صراع حول شكل الدولة ومن يملك قرار الحرب والسلم فيها؟
وهو السيناريو الذي يخشاه كثير من اللبنانيين، لأن الحروب الداخلية لا تترك منتصرين، ولأن أي انقسام أمني أو عسكري داخل المجتمع اللبناني ستكون كلفته أكبر بكثير من أي مكسب سياسي يمكن أن يحققه أي طرف.
قد يختلف اللبنانيون حول السلاح، وحول دور المقاومة، وحول الخيارات السياسية والاستراتيجية، لكنهم يكادون يتفقون على أمر واحد: لا دولة حقيقية من دون سيادة كاملة على الأرض والقرار.
وعندما تصبح السيادة نفسها مرتبطة بشروط الآخرين، ويصبح تنفيذها مهدداً بإمكانية الانفجار الداخلي، يصبح الخوف مشروعاً من أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يتحول المؤقت إلى دائم، وأن تجد الدولة نفسها، من حيث تدري أو لا تدري، تمنح شرعية سياسية لبقاء ما كانت تصفه بالأمس بأنه احتلال.
وعندها لا يعود السؤال: متى ينتهي الاحتلال؟
ولا حتى: من يملك السلاح؟
بل يصبح السؤال الأخطر:
هل ما زلنا نتعامل مع الاحتلال كاحتلال يجب أن ينتهي، أم بدأنا نتعامل معه كواقع يمكن التعايش معه إلى أجل غير معلوم، بينما ينشغل اللبنانيون بخلافاتهم الداخلية على حساب سيادتهم ومستقبل دولتهم؟



