إطار التفاهم الأميركي-الإسرائيلي: فخّ المناطق التجريبية وثمن السيادة (وليد بركات)

كتب وليد بركات – الحوارنيوز
من واشنطن، تُعرض على لبنان اليوم صيغةٌ جديدة لإنهاء الحرب، تحت عنوان “إطار تفاهم أميركي الرعاية”. تبدو ظاهرياً وقفاً لإطلاق النار، وباطناً إعادة هندسة لدور الدولة والمقاومة والجنوب كله. ومن هنا، وجب قول الحقيقة كما هي: بلا مواربة وبلا مجاملة.
أولاً: ما هو الإطار المطروح؟
يقوم الإطار على ثلاثة أركان كشفت عنها المفاوضات المباشرة بين الوفد اللبناني والإسرائيلي بواشنطن:
“المناطق التجريبية”: انسحاب إسرائيلي جزئي من أراضٍ جنوب الليطاني، تُسلّم إلى الجيش اللبناني بعد “تدقيق أميركي” لقواته للتأكد من عدم ارتباطها بحزب الله.
نزع السلاح شرط الانسحاب: تشترط إسرائيل “تجريد حزب الله الكامل من سلاحه” وتفكيك بنيته شمال الليطاني، مقابل أي انسحاب إضافي.
حق الرد المفتوح: منح الجيش الإسرائيلي صلاحية الرد فوراً على أي هدف يعتبره “تهديداً” في الجنوب، وباقي لبنان إذا لم يتحرك الجيش اللبناني.
ثانياً: أين تكمن المخاطر على لبنان؟
فخ “التجريب” وتمزيق الوحدة الوطنية
حزب الله أعلن رفضه القاطع لـ”أي مناطق تجريبية شمال الليطاني”، وحذّر من “لا تطبيع، لا إلغاء حالة عداء، لا مكاسب لإسرائيل”. والسبب واضح: الهدف من “التجريب” ليس السلام، بل خلق احتكاك مباشر بين الجيش اللبناني وأهالي القرى والمقاومة، لتحويل الجنوب إلى ساحة اقتتال داخلي تحت شعار “بسط سلطة الدولة”.
ابتزاز السيادة: الأرض مقابل السلاح
تربط إسرائيل انسحابها بـ”تجريد كامل”، لكنها ترفض في الوقت ذاته الانسحاب من “مناطق الحاجز العازل” حتى لو طلب ترامب ذلك. أي أننا أمام صفقة: سلّم سلاحك أولاً، وقد لا نُسلّمك أرضك لاحقاً. وهذا ما أقرّ به دبلوماسيون لبنانيون: “الوفد اللبناني غير قادر على انتزاع أي وعود أو التزامات من إسرائيل بالانسحاب أو وقف النار”.
تحويل الجنوب إلى وصاية دولية مشروطة
الاتفاق يشترط عودة النازحين وإعادة الإعمار فقط بعد “تفتيش الجيش ونزع السلاح”. بمعنى آخر، تُصبح عودة أهالي جبل عامل ، مرهونة بقرار أميركي-إسرائيلي، وليس بقرار لبناني سيادي. وهذا امتداد لمسودة أيار التي أقرت أن “حزب الله عدو لبنان”.
فصل لبنان عن معادلة الردع الإقليمية
الاعتراف الإيراني بأن “لبنان جزء لا يتجزأ من الاتفاق” وضرورة انسحاب إسرائيل، يراد له أن يُستبدل بـ”خلية تنسيق” تُخرج طهران من المعادلة، وتُبقي تل أبيب لاعباً حراً بالجو والبر. وهذا بالضبط ما قصده نتنياهو حين وصفه بأنه “ضربة لإيران وحزب الله”.
ثالثاً: هل هو لمصلحة لبنان؟
الجواب: مصلحة مؤقتة في وقف القصف، وخسارة استراتيجية في السيادة.
نعم، لأهالي الجنوب حقّ في العودة الآمنة ووقف نزيف الدم. ولكن ليس بثمن تحويل الجيش اللبناني إلى قوة “مدققة أميركياً” معزولة عن بيئتها، وليس بثمن تسليم ورقة القوة الوحيدة التي منعت إسرائيل من احتلال ما بعد الليطاني منذ 2006.
إن أي اتفاق يُبنى على شرطين: انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط إلى حدود 2000، وقرار لبناني جامع يحدد مصير السلاح. أما ما يُعرض اليوم فهو “هدنة تحت الوصاية”، وليس “سلاماً تحت السيادة”.
تعلمنا من التجارب أن “الوطن لا يُبنى بالتنازل عن الكرامة”. وإن قبول إطار يربط عودة أهلنا بنزع سلاح المقاومة، ويفتح الباب لـ”حق إسرائيلي بالرد” على أي قرية جنوبية، هو تنازل عن الكرامة قبل أن يكون تنازلاً عن الأرض.
نحن مع الدولة، مع الجيش، مع سيادة لبنان الكاملة. ولكننا ضد تحويل لبنان إلى “ساحة تجريب” أميركية-إسرائيلية لتفكيك معادلة الردع، ثم تركه وحيداً أمام الاحتلال.
لبنان ليس للتجربة. وجنوبه ليس لاختبار النوايا.
فإما انسحاب كامل… أو لا تفاهم على أشلاء السيادة..



