المفاوضات المباشرة خشبة الخلاص لنتنياهو من المستنقع اللبناني (أحمد حوماني)

كتب د. أحمد حوماني – الحوارنيوز
يرى البعض أن العدو الصهيوني قد نجح في توجيه ضربات قاسية للمقاومة في لبنان، سواء في الحرب الماضية عندما اغتال تقريبًا كل قيادات الصف الأول والثاني في حزب الله، أو في الحرب الحالية عندما استطاع السيطرة على شريط واسع من القرى الحدودية، وإفراغها من سكانها وتدميرها، وهو يواصل ذلك العدوان، ويوسّع احتلاله لمزيد من القرى، ومزيد من التدمير، كما أنه يفرض تفريغ الضاحية الجنوبية من أهلها، ويهدد بقصفها، ويقصفها أحيانًا عندما تلوح له أهداف يسعى إليها. قد يبدو كل ذلك صحيحًا، لكن في الحروب لا تُقاس الأمور على هذا النحو، فطالما أن النجاح العسكري لم يواكبه انتصار سياسي، فسيبقى من دون فائدة عملية وفعلية، ثم إن الأمور بنتائجها، والنتائج تُقاس بتحقيق الأهداف، والأهداف العملية هي من الأمور التي يمكن قياسها وحساب نتائجها.
الهدف الرئيسي الذي خرج العدو الصهيوني لتحقيقه هو نزع سلاح حزب الله، ومنه تتفرع عدة أهداف فرعية، منها حماية المستوطنات الحدودية من أي خطر قد يأتي من لبنان، ومنها إعادة الردع الذي لم تكتمل صياغته في الحرب الماضية، ومنها القضاء على صواريخ حزب الله البعيدة المدى، ومنها تطبيع العلاقات وتوقيع اتفاق سلام – على حد تعبيره – مع لبنان. فهل تحققت هذه الأهداف بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر على القتال في الجنوب اللبناني؟
يبدو حتى الآن أن أيًا منها لم يتحقق، بل على العكس من ذلك، بدا أن المقاومة قد استعادت شيئًا مهمًا من قوة الردع خلال هذه الأشهر الماضية، وبدأنا نشهد تراجعًا في الأهداف الصهيونية، فقيل إن الهدف هو إنشاء منطقة عازلة بعمق كيلومترين أو ثلاثة لمنع الصواريخ الموجّهة من إصابة المستوطنات، ثم الحديث عن توسيعها لخمسة كيلومترات بعد أن تبين أن بعض هذه الصواريخ مداها أكبر مما كان متوقعًا، ثم كان الحديث عن ثمانية كيلومترات لتحقيق هذا الهدف، لكن فجأة ظهر ما لم يكن في الحسبان: طائرات المقاومة المسيّرة الانتحارية تضرب قواعد وثكنات العدو في شمال فلسطين المحتلة، فقيل إن مداها هو خمسة كيلومترات، لكنها وصلت إلى أبعد من ذلك، واليوم الحديث أن المقاومة تملك منها ما يصل إلى عشرين كيلومترًا. عند هذا الحد سقطت كل تقديرات العدو وتبجحاته، في أن الحزام الأمني قد يحل مشكلة وصول طائرات المقاومة إلى قرى شمال الكيان. وتشير كل التقديرات إلى أن مدى هذه الطائرات يصل إلى خمسين كيلومترًا، والبعض يقول إن منها ما يصل إلى ثمانين، والمقاومة تملك هذه الأنواع من الطائرات المسيّرة، إلا أنها تترك استخدامها لوقت حاجتها الفعلية. لقد سقطت مقولات الأمن لقرى شمال الكيان، وسقطت مقولة أن الحزام إذا توسّع فقد يجلب ذلك الأمن والأمان، وقد أقرّ جميع قادة العدو العسكريين بأن موضوع نزع سلاح المقاومة هو هدف وهمي لا يمكن الوصول إليه من خلال المعارك العسكرية.
وحتى لا يكون كلامنا مجرد تحليل بعيد عن الواقع، سنستعرض مقولات الداخل الصهيوني حول مدى تحقيق هذه الأهداف الصهيونية في لبنان. فصحيفة هآرتس العبرية كتبت: “العودة إلى الأحزمة الأمنية سيؤدي إلى حرب عصابات وخسائر يومية، وقد تعلمنا ذلك عندما غرقنا لمدة ثمانية عشر عامًا في المستنقع اللبناني”، فيما قائد الجبهة الداخلية الإسرائيلية يقول: “الواقع العملياتي في الشمال معقد ومتغيّر ويتطلّب التكيف المستمر”. بعض وسائل الإعلام ذهبت أبعد من ذلك عندما كتبت: “يبدو أن منطقة الشمال خرجت بالفعل عن سيطرة إسرائيل”، وأضافت: “كان على من اعتقد أن الحرب هي نزهة أن يعلم أنه من الصعب العودة من نزهة بدون خريطة”. ووصل الأمر بصحيفة معاريف إلى القول: “ما بدا في البداية كـنصر تاريخي ضخم، تحوّل إلى طريق مسدود، تفوح منه رائحة هزيمة استراتيجية، فالخطوة البرية ليست تغييرًا استراتيجيًا للواقع، وليست أكثر من توسيع لحقل رماية البط في لبنان”، فيما القناة الثانية عشرة العبرية نقلت عن خبير صهيوني أن: “تهديد المحلّقات المفخخة أخطر مما تتخيله إسرائيل، والحلول الحالية لن تمنع الكارثة المقبلة”.
هذه عينة مما يتحدث به الداخل الصهيوني عن العدوان على لبنان، وهم بالتأكيد يعرفون أن جيشهم قد احتل عددًا كبيرًا من القرى، وأوجد حزامًا خاليًا من السكان، وأن طائراته تشن مئات الغارات يوميًا في لبنان، ومع ذلك فهذه عينة عما يفكرون به عن هذه الحرب.
وإذا كان هذا هو حال الصحافة والإعلام، فما حال سكان المستوطنات الشمالية؟ فصحيفة معاريف وصفت الحال بقولها: “سكان الحدود مع لبنان يدفعون ثمنًا مضاعفًا. تهديد أمني مستمر، واستنزاف اقتصادي في آن واحد”. وهذا ما حدا برئيس مستوطنة المطلة إلى القول: “على حد تعبير قادتنا، هم الأفضل في العالم، أما على صعيد الأفعال، فهم صفر. بالأمس كان هناك حوار مع قائد القيادة الشمالية، ولم أحضره، هل تعلمون لماذا؟ لأنني لم أدعَ إليه، وأنتم تعلمون لماذا لم أدعَ، لأنني أنتقدهم، إنهم عاجزون عن مواجهة الشعب في الشمال”.
إذاً الواقع في شمال الكيان لا يشي بأن ما يقوله قادة العدو يُعبّر عن واقع الحال، بل فيه الكثير من الكذب والخداع. لكن ماذا عن الهدف الرئيسي الذي حدده قادة العدو وهو نزع سلاح حزب الله؟
الكاتب في صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية نداف إيال قال: “مزيج من الشعارات الجوفاء، والاستخدام المفرط للقدرات العسكرية، وانعدام الجدوى، أدى إلى الوضع الراهن مع حزب الله، ونتيجةً لأخطاء إسرائيل، أصبحنا منبوذين، نعتمد كليًا على الولايات المتحدة، والآن علينا أن ندرك أن نزع سلاح حزب الله ليس سيناريو واقعيًا، وعلينا الانتقال إلى خطط أخرى، حتى وإن كانت أقل إثارة”.
بناءً على أن نجاح أي عملية عسكرية هو بتحقيق أهدافها، يظهر مما تقدم أن هذه العملية هي عملية فاشلة بكل المقاييس، فلا سلاح المقاومة أمكن نزعه بعد ثلاثة أشهر من المعارك والقصف والقتل، ولا الأمن عاد إلى مستوطنات الشمال، ولا تمكن الجيش الصهيوني من إبعاد خطر صواريخ المقاومة المباشرة، بل واجه موقفًا معقدًا وهو الطائرات المسيّرة الانتحارية التي ستشكل خطرًا ليس فقط على الشمال، بل على وسط الكيان في مراحل لاحقة.
وتشرح صحيفة هآرتس الحال الذي وصل إليه قادة العدو: “أدى الإحباط من الواقع القائم إلى تفاقم التوتر بين الحكومة والجيش… ومع اقتراب موعد الانتخابات، تتصاعد محاولات إعفاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من المسؤولية عن الإخفاقات المرتبطة بالحرب، وفي هذا السياق جرى الترويج لرواية مفادها أن نتنياهو حذّر من خطر الطائرات المسيّرة قبل ست سنوات، لكن ماذا فعل لمنع ذلك؟ على ما يبدو، تمامًا كما فعل لمنع هجوم السابع من أكتوبر مسبقًا”.
ومهما توسّع العدوان وزاد عدد القرى المحتلة، فإن كل ذلك لن يحقق أيًا من أهداف العدوان. إذًا، ماذا بقي لنتنياهو وقادته الفاشلين عسكريًا؟
ما يلوح في الأفق هو اتفاق أمني مع حكومة لبنان يحفظ ماء وجهه، وبعد أن دخل المفاوضات مُرغمًا بطلب أمريكي – لأنه كان يعتقد أن باستطاعته هزيمة المقاومة واستسلامها – يبدو أن هذه المفاوضات ستكون خيط (الفايبر) الذي سيُنقذه من الوحل اللبناني الذي أوقع به جيشه وكيانه. ويظهر أن المطلب الإيراني بشمول وقف إطلاق النار على جبهة لبنان سيكون أيضًا حبل نجاته، بل يمكن أن يُحقق له بعض أمنياته، حيث يتوقف إطلاق النار بالتزام الطرفين، لكنه يبقى محتلًا لجزء كبير من أرض جنوب لبنان، ليفاوض عليه الحكومة اللبنانية ويبتزها في موضوع الانسحاب مقابل ترتيبات أمنية تحقق مبتغاه.
على المقاومة وإيران تقدير الموقف الصحيح في هذه النقطة، واتخاذ القرار الذي يحفظ المقاومة وبيئتها، مع اقتناعنا بأن نرجسية وعنجهية نتنياهو وقادة العدو ستدفعهم إلى مزيد من التعنت والعدوان، ولن يرضوا بوقف شامل وتام للاعتداءات، وهو ما قد يكون فيه مصلحة المقاومة وشعبها، وهو ما سيشكل الفرصة الأمثل لإنزال الهزيمة بجيشه، وإخراجه ذليلًا من جنوب لبنان كما حصل في الحروب السابقة.



