لبنان أمام “غزة 2”: التوحش الإسرائيلي وصمود المقاومة واختبار الوحدة الوطنية(وليد بركات)

كتب وليد بركات – الحوارنيوز
منذ 2 آذار الماضي، دخل جنوب لبنان مرحلة جديدة من العدوان الإسرائيلي المفتوح. الغارات لم تتوقف، والقرى لم تهدأ، والحصيلة ترتفع يوماً بعد يوم: 3111 شهيداً وعشرة الاف جريح حتى 22 أيار، بحسب وزارة الصحة اللبنانية. لكن الأرقام وحدها لا تروي الحكاية. الحكاية هي محاولة إسرائيلية واضحة لإعادة إنتاج سيناريو غزة في الجنوب اللبناني، بذريعة “ضرب حزب الله”، وبهدف حقيقي هو كسر الأرض والإنسان.
تدمير ممنهج بلا سقف
ما يجري ليس تبادلاً للنيران. إنه استهداف ممنهج للبشر والحجر. طواقم الإسعاف والدفاع المدني لم تعد خطاً أحمر. ستة مسعفين ومصور صحفي استشهدوا خلال 48 ساعة فقط في غارات على حناويه ودير قانون النهر. القصف طال برج رحال، النبطية، بنت جبيل، صور، عيتا الشعب، وكفرا حبوش. مشعره.سحمر والتركيز حاليا على مناطق صور . النبطيه .والبقاع الغربي تمهيدا لاجتياحها . والتدمير والجرف يطال . بيوت مدنية، مستوصفات، مدارس، مؤسسات تجاريه تحوّلت كلها إلى ركام.
الهدف السياسي من هذا الدمار واضح: خلق منطقة محروقة على الحدود، تهجير السكان، وفرض واقع جديد بالقوة العسكرية. نفس الأسلوب الذي اعتمدته إسرائيل في غزة، لكن بوتيرة أبطأ وبصمت إعلامي أكبر.
نتنياهو يستمر لأن لا رادع أمريكي
الغطاء السياسي لهذا العدوان يأتي من واشنطن. إدارة ترامب تتحدث عن “وقف الحرب مع إيران”، لكنها في الوقت نفسه تمنح إسرائيل حرية العمل على كل الجبهات. في مكالمته الأخيرة مع نتنياهو، أكد ترامب “حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها”، وهي عبارة ترجمت ميدانياً إلى مزيد من الغارات والاجتياحات المحدودة.
من دون ضغط أمريكي حقيقي على تل أبيب، تصبح أي مفاوضات لوقف النار بلا قيمة. إسرائيل توقّع، ثم تخترق، ثم تعود للتبرير بأنها “تستهدف هدفاً تكتيكياً”. هذه المعادلة تكررت في 2006، وتكررت في غزة، وتتكرر اليوم في الجنوب.
الحساب الإسرائيلي انقلب
لكن نتنياهو دخل الحرب على أساس خاطئ: أن الحسم سيكون سريعاً. الواقع الميداني كان مختلفاً. الجيش الإسرائيلي تقدم في بعض النقاط، لكنه عجز عن التثبيت. الخسائر البشرية ارتفعت، ووصلت إلى 20 قتيلاً بينهم ضباط بين آذار وأيار. القدرة الصاروخية والطائرات المسيّرة للمقاومة بقيت فاعلة، والاستخبارات الإسرائيلية اعترفت بوجود فجوة معلوماتية حول حجم هذه القدرات.
على الصعيد السياسي، رهان نتنياهو على تفكيك الموقف اللبناني الرسمي فشل. بيروت رفضت أن تتحول إلى طرف في المواجهة ضد حزب الله، وتمسكت بأن أي تفاوض يجب أن يكون مقابل انسحاب إسرائيلي وضمانات سياسية. هكذا دخلت إسرائيل ما يسميه محللون إسرائيليون “الفراغ الاستراتيجي”: تصعيد مستمر بلا هدف واضح ولا أفق سياسي.
الخطر الأكبر: الفتنة من الداخل
أخطر من القصف هو ما يجري خلف الكواليس. الهدف الإسرائيلي لم يعد عسكرياً فقط، بل سياسي واجتماعي. الرهان هو على أن يؤدي الضغط العسكري والاقتصادي إلى انقسام لبناني داخلي، حيث يتحمل حزب الله وحده مسؤولية الدمار، فيطالب الشارع بنزع سلاحه، وتنفجر المواجهة من الداخل.
لهذا السبب، الموقف الوطني الموحد لم يعد ترفاً سياسياً. إنه خط الدفاع الأول. أي خطاب تحريضي، أي انقسام طائفي، أي محاولة لتحميل فريق لبناني وحده مسؤولية العدوان، هي خدمة مباشرة للمشروع الإسرائيلي.
التفاوض بلا ضامن لا قيمة له
المسار التفاوضي الذي يجري التحضير له بين لبنان وإسرائيل يتضمن ثلاث نقاط: وقف النار، تثبيت الحدود، وآلية رقابة دولية في الجنوب. لكن العقدة تبقى في التنفيذ. تاريخ إسرائيل مع الاتفاقات يقول إنها تلتزم فقط عندما تكون مضطرة.
ومادام ترامب لا يمارس ضغطاً على نتنياهو، فكل ورقة توقع سيكون مصيرها الانتهاك بعد 48 ساعة. المفاوضات تحت النار لا تنتج سوى مزيد من النار.
الخلاصة
إسرائيل تريد من لبنان ما أرادته من غزة: كسر الإرادة، وفرض الاستسلام بالدم. لكن الصمود الميداني للمقاومة، وتماسك الموقف اللبناني الرسمي حتى الآن، منعا تحقيق هذا الهدف. الخطر القادم ليس فقط من الطائرات، بل من محاولة تفجير الجبهة الداخلية.
المعادلة بسيطة: وحدة وطنية صلبة = فشل المشروع الإسرائيلي. انقسام داخلي = نصر مجاني لتل أبيب.
اللحظة تتطلب موقفاً واحداً لا يقبل القسمة: لبنان لا يُقسّم، وسيادته لا تُفاوض تحت النار.



