من يمسك الطاقة.. يدير العالم (إبراهيم عميس)

د. ابراهيم علي عميس – الحوارنيوز
ثمة حقيقة بسيطة: العالم الحديث لا يسير بالأيديولوجيا، ولا بالديمقراطية، ولا بالقانون الدولي. العالم يسير بالطاقة، ومن يمسك مصادر الطاقة يدير العالم.
حين ينظر الإنسان إلى ما يجري اليوم على الساحة العالمية، يقتنع بأن الحروب والاغتيالات والعقوبات والمواجهات السياسية التي نشاهدها يومياً ليست أحداثاً معزولة عن بعضها البعض. فهذه المعارك ما هي إلا أجزاء من صراع جيوسياسي أكبر بكثير يدور تحت السطح. الانفجارات، والعناوين الإخبارية، والخطابات السياسية، والتحالفات المتبدلة، وحتى التحركات الدبلوماسية المفاجئة، قد لا تكون سوى ما يمكن تسميته «الكلفة الهامشية» لمعركة أعظم: معركة السيطرة على مستقبل موارد الطاقة العالمية.
هذه الحقيقة ليست جديدة في التاريخ.
فالقوى الكبرى لم تحافظ يوماً على هيمنتها عبر القوة العسكرية وحدها، بل عبر السيطرة على الموارد الاستراتيجية. الأيديولوجيا غالباً كانت اللغة المستخدمة لتبرير الصراع، أما جوهره الحقيقي فكان يرتبط بالمصالح والموارد. ففي القرون الماضية كانت طرق التجارة والفحم والإنتاج الصناعي والتفوق البحري أساس النفوذ العالمي. وفي القرن التاسع عشر أصبحت طرق الهند وقناة السويس وموارد أفريقيا المحرك الحقيقي للتوسع الاستعماري، بينما رُفعت شعارات “الحضارة” و”التقدم” لتبرير ذلك. أما في القرن العشرين، فقد أصبحت آبار النفط هي التي تحدد الولاءات والحروب والانقلابات، فيما امتلأت الخطابات السياسية بمفردات “الحرية” و”الشيوعية” و”حقوق الإنسان”.
أما اليوم، فقد اتسعت ساحة الصراع وتشابكت أدواتها. فالتفوق الحديث لم يعد قائماً على النفط وحده، بل على منظومة متكاملة تشمل الغاز الطبيعي، والمعادن النادرة، والمعادن المتقدمة، والبتروكيماويات، والبنية التحتية للطاقة. هذه الموارد هي التي تغذي الذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، والصناعات العسكرية، ووسائل النقل، والزراعة، والاتصالات، والصناعة الحديثة بأكملها. ومع ذلك، ورغم كل التطور التكنولوجي، يبقى نفط الخليج في قلب المعادلة، لأن كل هذا التقدم يحتاج في النهاية إلى طاقة تشغّله وتحافظ على استمراره.
ومن يسيطر على هذه الموارد لا يمتلك الثروة فقط، بل يمتلك القدرة على تحديد أي الدول تتقدم تكنولوجياً، وأي الاقتصادات تزدهر، وأي الشعوب تبقى في دائرة التبعية. لذلك لم تعد الطاقة مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبحت الأوكسجين الجيوسياسي للعالم.
على سبيل المثال، ففي السنوات الأخيرة ازدادت أهمية المعادن النادرة بصورة لافتة. فالإلكترونيات الحديثة، والسيارات الكهربائية، وأشباه الموصلات، والأقمار الصناعية، وأنظمة الصواريخ، وحتى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تعتمد جميعها على مواد تتمركز في مناطق جغرافية محدودة من العالم. ومن هنا يمكن فهم كثير من التحركات الدولية الحديثة بصورة أوضح إذا نُظر إليها بعين استراتيجية لا بعين إخبارية يومية.
فالضغوط الرامية إلى تأمين اتفاقيات المعادن مع أوكرانيا، حتى قبل الوصول إلى تسويات سياسية للحرب، كشفت أن القوى الكبرى تنظر إلى الصراع هناك من زاوية الموارد الاستراتيجية بقدر ما تنظر إليه من زاوية الشرعية الدولية. وكذلك الأمر بالنسبة للاهتمام المتزايد بغرينلاند والقطب الشمالي، الذي لا يرتبط فقط بالموقع الجغرافي، بل بما قد يكشفه ذوبان الجليد من ممرات بحرية جديدة واحتياطات ضخمة من المعادن والطاقة. فالصراع العالمي المقبل قد لا يكون صراع أيديولوجيات بقدر ما سيكون صراعاً على المعادن، والطاقة، والممرات البحرية، والسيطرة اللوجستية في عالم يتغير بسرعة. وما هذه التحالفات والصفقات والضغوط إلا تعبيرا مبكرا عن منطق واحد: من يضمن الموارد اليوم يرسم خريطة النفوذ غداً.
ورغم كل ذلك، يبقى النفط الخليجي حجر الزاوية في الاقتصاد العالمي. فآسيا الصناعية الصاعدة، وعلى رأسها الصين والهند، تعتمد بصورة هائلة على نفط الخليج، وكذلك أوروبا التي لا تستطيع الاستغناء بسهولة عن مصادر الطاقة الخارجية. ومن يضمن تدفق النفط الخليجي يمتلك قدرة استثنائية على التأثير في الاقتصاد العالمي بأسره. ولهذا السبب بقيت منطقة الخليج لعقود طويلة في قلب الاستراتيجية الأميركية.
فالولايات المتحدة تدرك أن الحفاظ على ريادتها العالمية لا يتم فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر الإمساك بمفاتيح الطاقة العالمية. لأن من يتحكم بالطاقة يستطيع أن يؤثر في حركة الاقتصاد العالمي، وأن يسرّع نمو منافسيه أو يبطئه، وأن يتحكم بسلاسل الصناعة والتكنولوجيا والتجارة الدولية. ومن هنا يصبح مفهوماً لماذا تعتبر واشنطن أي تهديد لتدفق النفط من الخليج تحدياً استراتيجياً مباشراً لأن هذا التهديد لا يطال أمنها هي، بل يطال قدرتها على الإمساك بأوردة المنافسين.
غير أن استراتيجية من هذا الحجم لا تُبنى على خطة واحدة. فحين تتعقد السيطرة المباشرة على الخليج، أو حين تتحول المنطقة إلى بؤرة توتر يصعب ضبطها، لا بد من خطة بديلة تحافظ على الهدف ذاته بأدوات مختلفة. وهنا يمكن قراءة ما جرى ويجري في فنزويلا بعيون استراتيجية بدلاً من العيون الأيديولوجية. فهذه الدولة التي تمتلك واحدة من أكبر احتياطات النفط في العالم لطالما شكّلت جائزة جيوسياسية بالغة القيمة. صحيح أن نفطها يواجه تحديات تقنية واقتصادية، وأن استخراجه وتكريره أكثر كلفة من النفط الخليجي الأخف والأكثر ملاءمة لمعظم مصافي العالم، إلا أن إعادة توجيه فنزويلا نحو المنظومة الغربية لا تهدف في المقام الأول إلى استبدال الخليج، بل إلى امتلاك ورقة ضغط بديلة جاهزة: مصدر طاقة ضخم يقع في نصف الكرة الغربي، بعيد عن مضائق الشرق الأوسط وتوتراتها، وقابل للتفعيل حين تقتضي الحاجة. وما الضغط المتواصل على نظام كاراكاس طوال العقود الماضية، والعقوبات والإغراءات والتدخلات المتعاقبة، إلا تجسيداً عملياً لهذا المنطق: لا تُترك احتياطات الطاقة الكبرى خارج دائرة النفوذ الغربي، لأنها في لحظة الأزمة قد تكون الفارق.
وفي هذا السياق يمكن فهم كيف تتحول الحروب والعقوبات والأزمات إلى أدوات لإعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي العالمي. ضمن هذا التصور، تبدو بعض الأزمات وكأنها تُستثمر لإنتاج واقع جديد تحت عناوين مختلفة: حماية الملاحة الدولية، منع التهديد النووي، حماية الأمن العالمي، أو الدفاع عن الاستقرار الإقليمي. لكن في العمق تبقى الطاقة حاضرة في قلب المشهد. وقد بدا خلال المرحلة الماضية أن الولايات المتحدة حاولت فرض معادلة جديدة في الخليج تسمح بإعادة رسم توازنات السيطرة، إلا أن النتائج لم تأتِ بالكامل كما كان متوقعاً. فإيران لم تنهَر بسرعة، بل استطاعت عبر موقعها الجغرافي وقدرتها على تهديد مضيق هرمز أن تؤثر فعلياً على الاقتصاد العالمي، لأن هذا المضيق ليس ممراً عادياً، بل شريان تمر عبره نسبة هائلة من تجارة النفط والطاقة العالمية.
ومع ارتفاع المخاطر الاقتصادية وتزايد القلق من ركود عالمي، بدا أن عامل الوقت لم يعد مفتوحاً بلا حدود. فالرئيس الأميركي استهلك مهلة الستين يوماً التي تحدث عنها، وأصبح أمام معادلة معقدة: استمرار التصعيد قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو أزمة أعمق، بينما التراجع الكامل قد يبدو مكلفاً سياسياً واستراتيجياً. ومن هنا يصبح الحوار المؤقت مع إيران، وفق هذا التصور، خطوة تحقق هدفين في آن واحد: إعادة فتح مضيق هرمز وإنعاش الأسواق العالمية من جهة، وكسب الوقت لإعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري من جهة أخرى، تمهيداً ربما لمرحلة جديدة من المواجهة تحت عنوان مختلف.
وفي النهاية، تبدو الصورة الكبرى واضحة في مآلاتها وإن تعددت مساراتها. فإذا نجحت خطة الألف وتحققت السيطرة الكاملة أو شبه الكاملة على نفط الخليج، يُعاد رسم خريطة الاعتماد العالمي على الطاقة لصالح المنظومة الغربية. أما إذا طال الاضطراب وتحولت المنطقة إلى بؤرة توتر مزمنة، فإن خطة الباء جاهزة: تراجع قيمة النفط الخليجي بسبب المخاطر المستمرة يدفع العالم نحو البدائل، وفي مقدمتها ما كان قد أُعدّ سلفاً في نصف الكرة الغربي. وفي الحالتين، تكون خريطة الاعتماد العالمي على الطاقة قد تغيرت، ويكون ميزان النفوذ الاقتصادي العالمي قد أُعيد رسمه.
قد يختلف كثيرون مع هذا التصور، وقد يعتبره البعض مبالغاً فيه أو متشائماً، لكن من يقرأ تاريخ القوى الكبرى يدرك أن الطاقة كانت دائماً خلف الستار، حتى عندما كانت الشعارات المعلنة مختلفة. أما ما نراه يومياً من أحداث وتحالفات ومواجهات، فقد يكون في جزء كبير منه مجرد تفاصيل فوق سطح معركة أعمق بكثير: معركة من يمسك شريان الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين.



