رأي

عندما يصبح رجل الدين صوتاً  لغير الله(الشيخ محمد شقير)

 

بقلم الشيخ الدكتور محمد شقير *- الحوارنيوز

امتلأت المصادر الدينية بتعابير من قبيل: “فقهاء البلاط”، أو “وعاظ السلاطين”، وغيرها، مما يشير إلى ظاهرة، لم تكن يتيمة في التاريخ الديني، عندما ينحرف عالم الدين عن أن يكون صوتاً لله، فيصبح صدىً لسواه، وعندما يبتعد عن أن يكون تعبيراً عن الحق، فيضحى مَقوداً لهوى يُتبع، أو سلطان يُطاع من دون الله. ولخطورة هذا الأمر، نجد النصوص الدينية شديدة النهي، متوعدة أشد الوعيد، لمن يرتكب هذه الخطيئة، التي تدخل في مفهوم خيانة الأمانة: “وتخونوا أماناتكم”، لأن النطق بالحق في زمن الباطل، من أشد ابتلاءات العالم، الذي ما لم يتجرد عن أهوائه، لن يبصر الحق، وما لم يُسكن اللهَ قلبَه، لن ينطق على لسانه.

هذه المقدمة تعد ضرورية، لمناقشة من يُدين -بإسم المحبة- القوة التي تدافع عن الوطن، وتحرر الأرض، وتقف بوجه الظلم؛ فهل يعبّر هذا القول عن الله ودينه؟ هل يريدنا الله أن نقبل باستباحة المجرم لنا، ولأرضنا، ودمائنا؟ وهل يريدنا الله أن نعطي رقابنا للجلاد؟ وهل تعني المحبة أن نتخلى عن مسؤولياتنا في حماية الوطن والإنسان؟ أليس من أعظم تعابير المحبة، محبة المظلومين والمستضعفين؟ أليس التعبير الأصدق عن محبة هؤلاء، التضامن معهم، ومواجهة عدوّ الإنسانية دونهم؟ أليست محبة خلق الله، في دفع الشر والأذى عنهم ؟

ثم ماذا عن محبة الوطن؟ هل تعني أن يُترك للعدوّ يستبيحه؟ أو لإجرامه يقتل أبناءه؟ أو لطغيانه يهيمن عليه؟ أو لإفساده يعيث في ربوعه؟ أو لأطماعه تنهب خيراته؟ أهكذا تكون المحبة؟

إن كنتم تتحدثون باسم الله، فليس هو الله الذي نعرف، وليس هو دينه الذي تعلمنا. الله الذي نعرف، هو الذي يأمرنا أن ندافع عن المظلوم، فلا نخذله، ونقف بوجه الظالم، فلا نركن إليه. الله الذي نعرف، هو الله الذي لا يرتضي لنا ذلاً، أو للوطن هواناً.

أما الحب الذي قرأناه في مدرسة الله ودينه، فهو أن تحب وطنك، فتفديه بأعز ما لديك، وأن تحب عياله، فتذود عنهم بأغلى ما تملك. أما ما تدلون به، فهو صوت ما سوى الله، وإن تجلبب رداءه.

إن المحبة تعني، أن نتضامن مع أبناء الوطن، الذي يضحون بفلذات أكبادهم، وبجنى أعمارهم، دفاعاً عن حماه، ولو بكلمة تقدّر تفانيهم، او إنصاف يشكر تضحياتهم، أو بصوت يرد عنهم كثير الأذى، الذي يلحقهم من أخوانهم في الوطن، في الوقت الذي يخوضون أعظم محلمة لحماية أرضه وكرامته.

أما فيمن يرى في الدفاع عن الوطن فعل انتحار؛ نعم هو فعل انتحار، لكن على مذبح الوطن وإنسانه. انتحار يرقى إلى رتبة الشهادة، الشهادة على شركاء في الوطن، خذلوا الحق ونصروا خصمَه، وتغاضوا عن الباطل وارتضوا بغيَه؛ فهل أضحى القرآن يرتضي لنا أن تُذلّ كرامتنا، أو يُقتل أبناؤنا، أو تُستباح أرضنا، أو تُنتهك سيادتنا، أو يحكم الدعيّ فينا، حتى إذا بادر من فيهم بقية الشرف في هذا الوطن، إلى الردّ على إجرامه، ودفع عدوانه، يُقال فيهم انتحار؟

لقد كان السكوت أولى ممن خذل الحق، حتى لا ينصر الباطل. أليس الله تعالى من قال: “..فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم”، ألم تسمعوا قوله: “وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به”، ألم يأت في الذكر الحكيم: “ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار”، ألم يرد عن الرسول(ص) وأهل بيته ما يفيد وجوب الرد على العدوان: “ردوا الحجر من حيث جاء، فإن الشر لا يدفعه إلا الشر”، وغيره الكثير، مما يصعب حصره، ولا تُعارض دلالته؟

مع بالغ الاحترام ل”رجال الدين”، ومرجعياته، لكن عندما يصل الأمر بالبعض إلى الترويج للاهوت خنوع بإسم الله، فهو ما لا يصح السكوت عليه، أو تأويلية ركون بإسم القرآن، فهو ما لا يُتغاضى عنه.

إن أخطر ما في الأمر هو ابتداع لاهوت (تأويل) استسلام، يخدم عدو الوطن، ويحقق أهدافه، لأن في هذا تشويه للدين، واعتداء على الله، قبل أن يكون أي شيء آخر. وهو شراكة في الظلم والعدوان، لأن أي كلمة، تعين العدو الباغي في ظلمه وإجرامه، هي شراكة له في فعله وعدوانه.

والغريب في الأمر، أنه طالما سمعنا عن الحياد، حتى إذا احتدم النزال بين بني الوطن وعدوّه، وجدنا من فارق حياده، ولو في بيانه، منحازاً إلى صف من يعتدي على شركائه في الوطن، يقتّل أبناءهم، ويهدم دورهم، ويهدد بابتلاع الوطن، وتدنيس كرامته.

لطالما كنت أعتقد أن مؤسسات الدين ومرجعياته، يمكن أن تكون صورة الله في هذا الوطن، وكلمةً سواء بين أبنائه، وصوته الذي يحكي رسالته إلى إنسانه؛ لكن يتضح يوماً فيوم، أنها جزء من معضلة الوطن، أكثر من كونها معيناً على خلاصه. ولعلّ السبب أنها انزلقت إلى طائفيتها، وتشرنقت في ذاتها، فأضحت هتافاً طائفياً، وإن بإسم الدين وقميصه، ولم تعد صوتاً لله، وحكاية عن رسالته.

إن من يعود إلى نفسه وحقيقة دينه، سيجد أن المقاوم الذي يجود بنفسه فداءً لوطنه، هو التعبير الأجمل عن محبة الله، وكلمته لعباده، وأن الأقرب إلى الله ورسالته هو من يبذل أغلى ما لديه، من فلذة كبد، أو جنى عمر، ليقف أمام ظالم، ويجاهد عدوّ باغ، ولا يرتضي لوطنه الذلّ والهوان.

أختم بما قاله نبي الله عيسى بن مريم: ” الدنيا داء الدين، والعالم طبيب الدين، فإذا رأيتم الطبيب يجرّ الداء إلى نفسه، فاتهموه، واعلموا أنه غير ناصح لغيره”.

*استاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية -بالتزامن مع صحيفة الاخبار

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى