دراسةدولياتسياسة

تراجع الهيمنة على البحار وارتباطه بانهيار الدول العظمى ..الحرب على ايران نموذجًا (أحمد حوماني)

 

 

 بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

عندما نتحدث عن قوى عظمى استطاعت بسط سيطرتها على مناطق واسعة من هذا العالم، فهذا يعني أمرًا من اثنين: أولًا امتلاك أسطول بحري كبير وقوي ومجهز بالعدة والعتاد، وجاهز للتحرك في أي بقعة من العالم، وثانيًا وجود قواعد عسكرية لهذه الدولة العظمى على مساحة مختلف قارات العالم.

 ويمكن القول إن هاتين الميزتين تمتلكهما حاليًا الولايات المتحدة الأمريكية، فلدى البحرية الأمريكية إحدى عشرة حاملة للطائرات تجوب المحيطات، مع مجموعة من السفن الحربية والمدمرات التي ترافق كلا منها. ويُقدَّر عدد القواعد العسكرية الأمريكية في العالم بما يزيد على سبعمائة وخمسين قاعدة، لكن حسابات وزارة الحرب الأمريكية تُشير إلى وجود مئة وثمانية وعشرين قاعدة أساسية حسب تعبيرها. هذه القواعد الأمريكية موزعة على أكثر من ثمانين دولة، ولا تنافس أمريكا في هذين الأمرين أي دولة في العالم.

إذًا، تبسط أمريكا سلطتها على العالم من خلال قواعدها العسكرية على الأرض، وحاملات طائراتها في البحار. وقد أنشأت أمريكا مجموعة من هذه القواعد في دول الخليج، ويُقدَّر عددها بحوالي ثلاثين قاعدة بين أساسية وثانوية، ولعل أهمها وأكبرها قاعدة العديد في قطر التي يُقيم فيها حوالي عشرة آلاف جندي أمريكي، وقاعدة السيلية وهي للتخزين العسكري، وفي الإمارات قاعدة الظفرة الجوية وتضم حوالي خمسة آلاف جندي، والقاعدة البحرية في ميناء جبل علي، وفي البحرين قاعدة الجفير وهي مركز الأسطول الخامس الأمريكي وتُسمى مركز الدعم البحري، وفي الكويت قاعدة علي السالم الجوية ومعسكر عريفجان، وفي السعودية قاعدة الأمير سلطان الجوية، وفي العراق قاعدة عين الأسد الجوية، وقاعدة عين حرير الجوية، وقاعدة فيكتوريا العسكرية قرب مطار بغداد، وقاعدة بلد الجوية، وقاعدة السلط في الأردن. هذا عدا عن عشرات القواعد الثانوية المتواجدة قرب المطارات وقرب المراكز الرئيسية للقواعد النفطية في هذه الدول. ويبلغ عدد الجنود الأمريكيين المنتشرين في هذه الدول ما بين أربعين إلى خمسين ألف جندي، وترابط عشرات السفن الحربية الأمريكية على سواحل الدول الخليجية، إضافة إلى تواجد شبه مستمر لإحدى حاملات الطائرات في المنطقة في أيام السلم.

إن من يدرس توزيع هذه القواعد الجوية والبحرية، وما فيها من قوات عسكرية، يُلاحظ أنها أكثر من مراكز تعاون عسكري، وهي ترقى إلى قواعد احتلال بما تملك من قدرات عسكرية قادرة على التحرك والضرب والسيطرة على مقدرات هذه الدول مجتمعة.

بالعودة إلى التاريخ، فإن العديد من الدول العظمى – إذا جاز التعبير – كان لأسطولها البحري اليد الطولى في بسط سيطرتها العالمية. هذا ما كانت عليه إسبانيا والبرتغال، ثم بريطانيا وفرنسا، وكذلك روسيا القيصرية واليابان، وقديمًا جدًا قرطاج والدولة الفارسية. وكانت أساطيل هذه الدول هي التي تحمي تجاراتها في الممرات والمضائق المائية عبر العالم، وتدعم قواتها المنتشرة في أنحاء بعيدة عن أراضيها. والملفت أن هذه الدول تراجعت قدراتها في السيطرة والتوسع عندما تعرض أسطولها البحري للتدمير، أو خسرت معارك بحرية كبيرة، فتراجع دورها العالمي، وعادت إلى حجمها الطبيعي كدول كبرى، لكنها ليست بالعظمة التي كانت عليها، ومنها على سبيل المثال روسيا القيصرية. فقد دمرت اليابان أسطولها البحري في معركة تسوشيما عام 1905، ونتيجة ذلك تراجعت قوتها العسكرية، ووقعت معاهدة بورتسموث الاستسلامية، وكانت هذه المعركة إيذانًا بنهاية الحكم القيصري الذي سقط بعد سنوات قليلة.

 وكذلك ما حدث مع الإمبراطورية اليابانية في العام 1944 أثناء الحرب العالمية الثانية، فقد خسرت اليابان معظم حاملات طائراتها وبوارجها في معركة بحر الفلبين ومعركة خليج ليتي، ففقدت السيطرة على دول المحيط الهادئ وعلى مصادر النفط التي كانت تُشغِّل مصانعها، ما أدى لاحقًا إلى تراجعها إلى حدودها الجغرافية، ثم استسلامها بعدما ألقت أمريكا القنابل النووية على ناغازاكي وهيروشيما.

وفي التاريخ البعيد، فإن أحد أسباب سقوط قرطاج هو خسارتها لمعاركها البحرية، وتدمير الرومان لأسطولها الذي كان يجوب البحر المتوسط فارضًا سلطة قرطاج السياسية والعسكرية، والأمثلة كثيرة.

منذ الحرب العالمية الثانية، هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية على طرق التجارة العالمية عبر البحار، لكن من دون استخدام فعلي لهذه القوة العسكرية البحرية، وفرضت ما يُسمى بـ “دبلوماسية البوارج”، وهو ما يعني أن تحريك هذه البوارج باتجاه دولة ما، أو حتى التلويح بتحريكها، كان يؤدي إلى استسلام هذه الدولة أو التراجع عن القرارات التي تضر بالسياسة الأمريكية العالمية. ويمكن القول إنه خلال الخمسة والسبعين عامًا الماضية، لم تتعرض هذه القوة العسكرية البحرية الأمريكية لأي اختبار أو معارك جدية، فالتلويح باستخدامها كان كفيلًا بفرض الأمر الذي تريده أمريكا.

لكن في السنتين الماضيتين تعرض الأسطول البحري الأمريكي إلى اختبارين فعليين: الأول في باب المندب في البحر الأحمر بمواجهة أنصار الله في اليمن، وذلك عندما أعلن اليمن عن إغلاق مضيق باب المندب إسنادًا للفلسطينيين في غزة، فحشدت أمريكا وبعض الدول الغربية قواتها العسكرية البحرية تحت عملية باسم “حارس الازدهار”، وضربت أهدافًا عديدة في اليمن لمرات عدة، لكن القوات اليمنية ردّت بقصف البوارج الأمريكية والأوروبية بشكل عنيف، وذلك باستخدام الصواريخ والمسيرات. وتحدثت الأخبار عن استهداف أهم حاملات الطائرات الأمريكية المتواجدة في البحر الأحمر وهي “يو إس إس هاري ترومان” لعدة مرات، وأصابتها هي والعديد من السفن المرافقة.

وذكرت الأخبار يومها أن القوات اليمنية عمدت إلى استخدام مئات الطائرات المسيرة وعشرات الصواريخ، ما أدى إلى نفاد ذخيرة البحرية الأمريكية من الصواريخ المضادة، فأصبحت هدفًا سهلًا للضربات اليمنية. وفاجأ الرئيس الأمريكي ترامب العالم بإعلانه الانتصار في اليمن وسحبه لحاملة الطائرات والسفن المرافقة لها من البحر الأحمر، ما اعتبرته كثير من الصحف العالمية تغطية على هزيمته العسكرية البحرية. ولاحقًا تم تسريب أخبار عن إصابات كبيرة في حاملة الطائرات والسفن المرافقة لها، وتمت إعادتها إلى أمريكا للصيانة الدورية كما قيل. وهنا يُسجَّل لليمن هذه الجرأة والشجاعة في استهداف الأسطول الأمريكي بغض النظر عن حجم الضرر الذي ألحقه بها، لكن الدرس الذي تعلمه العالم أنه بالإمكان ضرب الأسطول الأمريكي وإجباره على الفرار إذا توفرت الإرادة في القتال والمواجهة.

المعركة الثانية كانت في الحرب على إيران، والتي توسعت لتشمل ليس فقط الأسطول الأمريكي في البحر، بل حتى القواعد الأمريكية العسكرية في دول الخليج. وهذا كان مفاجأة الحرب الصهيونية الأمريكية الثانية على إيران. ففي حرب حزيران الماضية لم تضرب القوات الإيرانية البوارج الأمريكية ولا قواعدها العسكرية في دول الخليج. في هذه الحرب تجرأت إيران على ضرب كل القواعد الأمريكية في الخليج، وتحدثت الصحف العالمية ومنها الأمريكية عن استهداف حوالي ثلاثين قاعدة عسكرية أمريكية أساسية وثانوية، ما أدى إلى تدميرها بشكل كامل أو جزئي، وبالتالي خروجها عن الخدمة. وأشارت بعض التقارير إلى أن إعادة ترميمها وتشغيلها يحتاج إلى سنوات عديدة.

 وفي البحر استخدمت إيران نفس أسلوب اليمن في إطلاق عشرات الطائرات المسيرة والصواريخ الموجهة، ما أدى إلى إصابة العديد منها وهروبها إلى مسافات تزيد على ألف ميل، وبالتالي تعطيل فعاليتها أو التقليل من ذلك. وكذلك إلى هروب البعض منها، كما حدث مع حاملة الطائرات “جيرالد فورد”، حيث تحدثت الصحف العالمية عن إصابتها إصابة مباشرة رغم نفي وزارة الحرب الأمريكية ذلك، لكن سحبها إلى موانئ أوروبا والتذرع بأن حريقًا نشب في مطبخها استمر لعدة أيام قبل السيطرة عليه، ثم عودتها إلى أمريكا ما هو إلا دليل على تعرضها لضربة قوية أدت إلى تحييدها عن المعركة.

وتتضارب الأنباء حاليًا عن وجود ثلاث حاملات طائرات في المنطقة للهجوم على إيران، ثم الحديث عن سحب واحدة منها إلى المحيط الهادئ، وابتعاد الجميع عن الشواطئ الإيرانية. لكن تقرير نيويورك تايمز كان واضحًا في توصيف حالة البحرية الأمريكية في حربها ضد إيران، عندما تحدث عن “أن إيران قد حوّلت حاملات الطائرات الأمريكية التي تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات إلى أهداف سهلة، بفضل زوارقها السريعة وآلاف الطائرات المسيرة”. هذا التكتيك العسكري للقوات الجوية الإيرانية أظهر أنه بالإمكان ضرب هذه الأيقونة الأمريكية وإخراجها من المعركة. فقد أدت هذه المناوشات حسب “نيويورك تايمز ” إلى استنزاف ترسانة البحرية من الصواريخ متوسطة المدى والدفاعية، وبدلًا من أن تكون جاهزة لردع الصين تُكافح بهياكلها المتهالكة ومخازن ذخيرتها الفارغة في مواجهة الطائرات المسيرة الانتحارية الإيرانية”.

منذ وقف إطلاق النار في العشرين من نيسان الماضي وحتى اليوم، أي ما يقرب من شهر، ما زلنا نسمع نفس المعزوفة الأمريكية بالتهديد والوعيد بضرب إيران بقسوة، ثم يأتي التأجيل تلو التأجيل بحجج مختلفة، ليس آخرها أن ملوك وأمراء السعودية والإمارات وقطر قد طلبوا من ترامب عدم ضرب إيران. لكن ما يبدو واضحًا أن أمريكا اليوم باتت تخشى من إعادة فتح المعركة مع إيران نظرًا لكلفتها العسكرية والاقتصادية، لكن أحد أهم أسبابها هو أن أمريكا فقدت قوتها التي تعتمد عليها، وهي حرية حاملات طائراتها في المواجهة والقتال، وخروج قواعدها في المنطقة عن الخدمة، والخوف الأعظم من تعرض هذه الحاملات لضربة كبرى تُسقط هيبة أمريكا، وتكون إيذانًا ببداية انهيار هذه الإمبراطورية العظمى عن العالم، والعودة إلى حدودها كدولة كبرى لكن ليست عظمى. وهذا ما أشارت إليه نيويورك تايمز عندما قالت: “انتهى عهد ترهيب الدول بإرسال حاملات الطائرات، فعندما تُلحق إيران أضرارًا بمليارات الدولارات بالقواعد الأمريكية دون خوف، وتعجز البحرية الأمريكية عن فتح المضيق، فإن مصداقية القوة البحرية الأمريكية ستتلاشى إلى الأبد”.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى