رأي

بين شيطنة المقاومة واختزال التمثيل: إلى أين يُدفع لبنان؟

 

بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز

 

في السنوات الأخيرة، تصاعد خطاب شيطنة المقاومة وبيئتها إلى مستويات غير مسبوقة، وكأن المطلوب ليس مجرد نقد سياسي أو مراجعة تجربة، بل إعادة صياغة كاملة لدور مكوّن أساسي من مكوّنات لبنان. هذا التحوّل لم يأتِ في سياق حوار وطني هادئ، بل في إطار استقطاب حاد يُنذر بتداعيات تتجاوز السياسة إلى عمق الاستقرار الاجتماعي والوطني.

 

السؤال الذي يتردّد اليوم داخل الأوساط النخبوية في الطائفة الشيعية، كما في غيرها، لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية: إلى أين تتجه الأمور في ظل هذا النهج؟

حين يُصار إلى اختزال رموز طائفة بكاملها، أو التشكيك بدور شخصيات كانت وما تزال تُعتبر صمّام أمان، فإن ذلك لا يُضعف طرفًا بعينه بقدر ما يهزّ توازن الكيان اللبناني ككل.

 

لقد أثبتت التجربة أن أي محاولة لإلغاء أو تهميش مكوّن لبناني أساسي مصيرها الفشل، بل وتؤدي إلى نتائج عكسية. فلبنان، بحكم تركيبته الدقيقة، لا يُحكم بمنطق الغلبة، ولا يُدار بعقلية الإقصاء. ومن هذا المنطلق، فإن الهجوم المتصاعد على رموز دينية وسياسية في بيئة المقاومة، والتي قدّمت تضحيات جسامًا شهد بها العدو قبل الصديق، يطرح علامات استفهام كبيرة حول الأهداف الحقيقية لهذا الخطاب.

 

ليس خافيًا أن دور هذه البيئة، بقياداتها السياسية، كان محوريًا في الحفاظ على استقرار لبنان في مراحل مفصلية. وفي طليعة هذه الرموز، يبرز اسم دولة الرئيس نبيه بري، الذي شكّل على مدى عقود ركيزة أساسية في إدارة التوازنات الداخلية، ومظلّة حوار بين مختلف الأطراف. قد يختلف معه البعض سياسيًا، وهذا حق مشروع، لكن تجاهل دوره أو محاولة تجاوزه لا يخدم إلا تعميق الأزمة.

 

إن مقولة الإمام المغيب السيد موسى الصدر: “لن نقبل أن يبتسم لبنان ويبقى جنوبه متألمًا”، لا تزال تختصر معادلة العدالة الوطنية. واليوم، يمكن توسيع هذه المقولة لتشمل كل أشكال التهميش: لن يستقيم وطن يُطلب من جزء منه أن يصمت أو يُقصى تحت أي ذريعة كانت.

 

المطلوب من أركان السلطة الحالية ليس الانخراط في مزايدات سياسية أو الاستقواء بخطابات شعبوية، بل العودة إلى منطق الشراكة الحقيقية. فلبنان لا يُدار بمنطق تسجيل النقاط، بل بحكمة التوازن. وأي محاولة لحكم البلاد من دون تمثيل فعلي ومتوازن لكل مكوّناته، وفي مقدّمهم الطائفة الشيعية ورموزها الأساسية، لن تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام.

 

إن المرحلة الراهنة تتطلب جرأة في الاعتراف بالحقائق، لا في تزويرها. وتتطلب خطابًا جامعًا، لا إقصائيًا. فلبنان، الذي صمد رغم كل الأزمات، لا يزال قادرًا على النهوض، شرط أن يُحترم تنوّعه، وأن يُصان دوره التشاركي.

 

أما الاستمرار في النهج الحالي، فلن يقود إلا إلى تعميق الشرخ، وإضاعة ما تبقّى من فرص الإنقاذ.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى