بين إملاءات واشنطن وتباهي نتنياهو: هل أصبحت السلطة اللبنانية شريكة في سفك دمائنا؟ (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
تتقاطع خيوط المشهد السياسي في لبنان اليوم لتنسج واقعا يضج بالريبة، حيث تبرز تصريحات محلية ودولية تضع السلطة اللبنانية في قفص الاتهام الشعبي والوطني. فبينما يعيش اللبنانيون تحت وطأة النيران والاستباحة، تخرج مواقف سياسية تتجاوز حدود الاختلاف التقليدي لتمس جوهر السيادة والولاء. فعندما صرحت الوزيرة السابقة مي شدياق علنا بأن رئيسي الجمهورية والحكومة تم الإتيان بهما لتنفيذ أجندة وإملاءات أميركية، مؤداها نزع سلاح المقاومة ووضع لبنان تحت الهيمنة الأميركية بالكامل بما في ذلك الانخراط في مسار السلام مع إسرائيل، فإنها بذلك لم تكن تطلق مجرد تحليل سياسي، بل كانت ترسم إطارا لمرحلة من الارتهان الكامل للقرار الخارجي، الذي يبدو أنه تجاوز الغرف المغلقة ليصبح واقعا ملموسا على الأرض.
هذا الطرح الداخلي يجد صدى مرعبا في تصريحات رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، الذي لم يتردد في القول إن القوات المحتلة تتحرك وفقا لاتفاق مبرم مع أميركا ولبنان، يمنحها حرية الرد على الهجمات وإحباط التهديدات تحت ذريعة الدفاع عن إسرائيل. وهنا تكمن المفارقة الموجعة، فبينما يتحدث نتنياهو عن الدفاع عن أمن كيانه وعن اتفاقات تشرعن له القتل والمجازر، يغيب عن خطاب السلطة اللبنانية أي حديث جاد عن الدفاع عن لبنان وحماية دماء شعبه التي تسفك يوميا، بل يبدو أن كل الاتصالات التي تجري الآن لتثبيت موقعي رئاستي الجمهورية والحكومة، إن هي إلا محاولات بائسة لكبح جماح الجمهور الغاضب من قبل الثنائي الوطني والقوى الوطنية التي استشعرت حجم المؤامرة، حيث تظهر هذه السلطة وكأنها قد باعت الجنوب كل الجنوب مقابل أمن باقي المناطق، في مقايضة رخيصة لا تعبأ بحجم المجازر الوحشية التي ارتكبتها إسرائيل، وخاصة في الأربعاء الأسود الذي سكن ذاكرة بيروت بالألم والدماء.
إن التزامن الخطير بين ما كشفته شدياق وما يتباهى به نتنياهو يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة ومريرة حول حقيقة الدور الذي تلعبه السلطة الحالية، فهل يعقل أن يكون رئيس الجمهورية موافقا على ما يقوله رئيس وزراء العدو؟ وهل باتت الدماء اللبنانية مجرد بند في اتفاقات سرية تهدف إلى إعادة صياغة وجه المنطقة وفق الرؤية الأميركية الإسرائيلية؟
إن الصمت الرسمي المطبق إزاء ادعاءات العدو بوجود اتفاقات تمنحه الحق في استباحة الأرض والجو والدم، يعزز من فرضية الشراكة في الجريمة، فإذا كان نتنياهو يبرر مجازره بأنها تنفيذ لاتفاق مع لبنان، وإذا كانت التصريحات الداخلية تؤكد أن السلطة جيء بها لتنفيذ إملاءات واشنطن، فإن النتيجة الحتمية هي أننا أمام سلطة تخلت عن واجبها الدستوري والأخلاقي في الدفاع عن مواطنيها، بل وأصبحت شريكا فعليا في سفك دمائنا من خلال منح الغطاء السياسي لهذه الاعتداءات، فكيف يمكن لمن يقسم على حماية الدستور والسيادة أن يكون طرفا في معادلة تجعل من الدفاع عن إسرائيل أولوية تفوق حماية أرواح اللبنانيين؟
إنها لحظة الحقيقة التي تفرض على الجميع إدراك حجم المؤامرة، حيث يتم تحويل المؤسسات الدستورية إلى أدوات لتنفيذ أجندات لا تخدم إلا مصالح القوى الخارجية ومطامع العدو، ما يجعل من السلطة شريكا مباشرا في كل قطرة دم تسقط على تراب هذا الوطن المنهك.



