سياسةمحليات لبنانية

المفاوضات تضع القرار اللبناني بين فكي كماشة : أين وقف النار؟ (أكرم بزي)

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

يبدو أن أحد الرئيسين او كلاهما كمن وضع نفسه بين الفك الأعلى والفك الأسفل للذئب! ماذا فعلتم وعلى اي اساس ذهبتم للتفاوض مع “اسرائيل” والى أين تأخذون البلد؟
ان التساؤل عن جدوى هذه الخطوة في ظل غياب اي التزام واضح بوقف اطلاق النار يضع السلطة امام مأزق تاريخي وأخلاقي، إذ يبدو ان الذهاب الى واشنطن في هذه الظروف الصعبة قد وضع القرار اللبناني بالفعل بين فكي كماشة، حيث تحاول السلطة المناورة في مساحة ضيقة جدا يفرضها الضغط العسكري الميداني من جهة والابتزاز السياسي الدولي من جهة أخرى، وهو ما يفتح الباب واسعا امام المخاوف من ان تكون هذه المفاوضات مجرد غطاء لتمرير شروط قاسية تمس جوهر السيادة اللبنانية.

فالمفاوض اللبناني يذهب الى الطاولة في لحظة يشترط فيها العدو استمرار النار وسيلة للضغط، مما يجعل الجلوس معه في ظل هذا المناخ اشبه بمنح شرعية ديبلوماسية للعدوان وتفريطا مجانيا بأوراق القوة التي يمتلكها لبنان.
وتكشف الشروط الاسرائيلية التي يسوقها الاعلام العبري ان المفاوضات لا تدور حول تسوية ديبلوماسية بقدر ما هي محاولة لفرض صك استسلام جغرافي وعسكري يمزق وحدة الارض والسيادة، اذ تقوم الرؤية الاسرائيلية على تقسيم الجنوب الى ثلاث مناطق امنية تخضع كل منها لاحكام جائرة.  ففي المنطقة الاولى يطالب الاحتلال بإنشاء منطقة عازلة دائمة بطول ثمانية كيلومترات يمنع عودة المدنيين النازحين اليها، ما يعني عمليا اقتطاعا جغرافيا دائما وتغييرا ديموغرافيا قسريا يحول القرى الحدودية الى اراض محروقة ومهجورة، لتكون بمنزلة جرح نازف في خاصرة الوطن لا يندمل.
اما المنطقة الثانية التي تمتد جنوب نهر الليطاني فتريدها اسرائيل منطقة عمليات عسكرية مفتوحة لجيشها، بهدف معلن هو تفكيك حزب الله ونزع سلاحه، مع الاصرار على بقاء القوات الاسرائيلية فيها حتى يقرر قادة الاحتلال اتمام المهمة، وهو شرط يمنح العدو تفويضا زمنيا ومكانيا غير محدود لاحتلال الارض وتدمير البنى التحتية تحت غطاء التفاوض، بينما تأتي المنطقة الثالثة لتشمل شمال الليطاني وبقية الجغرافيا اللبنانية، حيث تضع اسرائيل الدولة والجيش اللبناني امام اختبار مستحيل يتمثل في تفكيك حزب الله بشكل مستقل، وهو مطلب يهدف في جوهره الى تفجير الفتنة الداخلية ودفع اللبنانيين نحو صدام أهلي شامل يخدم اجندة الاحتلال ويقضي على ما تبقى من وحدة وطنية.
ان الشرط الاساسي الذي ترفعه تل ابيب، والمتمثل في رفض اي انسحاب كامل حتى يتم القضاء على حزب الله، يوضح ان اساس هذه المفاوضات ليس البحث عن السلام بل استكمال الحرب بوجوه ديبلوماسية، فالعدو يربط الانسحاب بنتائج ميدانية خيالية لا يمكن ضمانها، مما يجعل اي قبول لبناني بهذا الاطار بمثابة تنازل طوعي عن السيادة وتكريس لوصاية امنية دائمة، وهذه الهرولة نحو واشنطن في ظل هذه الشروط المعلنة لا يمكن تفسيرها الا كتغطية لمشروع يرمي الى عزل المقاومة وتفكيك عناصر الردع اللبنانية، وهو ما يفسر حالة التشكيك العميقة في جدوى اللقاءات التي قد لا تنتهي الا بتكريس واقع امني يخدم مصالح الاحتلال على حساب الامن القومي.
ان المسار الذي تسلكه السلطة اليوم يضع البلاد امام منعطف خطير، فبدلا من الاستناد الى عناصر القوة الوطنية لفرض شروط عادلة، يبدو الرهان على الوعود الخارجية وكأنه قفزة في المجهول، فالجلوس على طاولة واحدة مع عدو يرفض علنا مبدأ التهدئة ويستمر في قصف المدن والقرى يضع المفاوض اللبناني في موقف الضعيف الذي قد يجد نفسه مضطرا للمفاضلة بين تنازلات سيادية مؤلمة او الاستمرار في حرب لا ترحم، وهو ما يثير القلق من ان تؤدي هذه الخطوات الى تكريس واقع سياسي وأمني جديد يقيد مستقبل لبنان لسنوات طويلة، مما يجعل السؤال عن الوجهة التي يساق اليها البلد سؤالا مشروعا ومصيريا في آن واحد.
لا يمكن فهم موافقة ١٥ دولة أوروبية وعربية لادراج وقف إطلاق النار في مفاوضات اسلام أباد ورفض الحكومة اللبنانية الا في سياق السباق بين الحكومة اللبنانية والحكومة الاسرائيلية على من يقتل الشعب اللبناني اكثر ويقضي على المقاومة اولا. ولا عذر لكم ابدا بالتفاوض والذهاب نحو قعر هاوية جهنم.
تحياتي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى