كلكم عيال الله وأقربكم اليه انفعكم لعياله (اسامة مشيمش)

بقلم الدكتور أسامه توفيق مشيمش – الحوار نيوز
يحمل موقف بابا الفاتيكان دلالات إنسانية وأخلاقية عميقة تتجاوز حدود الدين والسياسة، ليضع معيارًا واضحًا للتمييز بين منطق القوة ومنطق القيم. فحين يقول إن “قلب الله مع الصغار والمتواضعين”، فهو يعيد توجيه البوصلة الأخلاقية نحو الفئات المهمشة، ويؤكد أن الشر الحقيقي لا يكمن في الضعف، بل في التعجرف والاستعلاء. هذا الطرح يشكل نقدًا غير مباشر للسياسات التي تقوم على الهيمنة والتفوق، ويطرح بديلًا قائمًا على المحبة والخدمة كركيزتين لبناء السلام.
في سياقنا اللبناني، تكتسب هذه الكلمات أهمية مضاعفة، خصوصًا في ظل التحديات الوجودية التي يفرضها الصراع مع الكيان الإسرائيلي، وما يرافقه من ضغوط سياسية وأمنية واقتصادية. فلبنان، بتعدديته الطائفية والدينية، ليس مجرد ساحة صراع، بل نموذج إنساني فريد للتنوع والتعايش، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ قيم التواضع والتضامن بدل الانقسام والتناحر.
إن التعايش الطائفي في لبنان لا يمكن أن يستمر بالشعارات وحدها، بل يتطلب إعادة إحياء الروح التي يتحدث عنها النص، أي روح “القلب المنحاز للإنسان”. فالمسيحي والمسلم، والدرزي وسائر المكونات، يجتمعون في مواجهة التحديات ذاتها، ويتشاركون القلق ذاته على المصير. ومن هنا، فإن أي خطاب يقوم على التعصب أو الإقصاء، مهما كان مصدره، يهدد هذا النسيج الدقيق، ويخدم بشكل غير مباشر المشاريع التي تسعى إلى تفتيت المنطقة.
في ظل الحرب، يصبح من السهل الانجرار إلى خطاب الكراهية أو التجييش الطائفي، لكن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض العكس تمامًا. المطلوب هو تعزيز ثقافة اللقاء، والاعتراف المتبادل، والعمل المشترك لحماية الإنسان قبل أي اعتبار آخر. فالقوة الحقيقية للبنان لم تكن يومًا في سلاحه فقط، بل في قدرته على تحويل التنوع إلى مصدر غنى، لا إلى سبب صراع.
إن الرسالة التي يحملها النص تتقاطع مع جوهر التجربة اللبنانية حين تكون في أفضل حالاتها: دولة ترعى جميع أبنائها دون تمييز، ومجتمع يحتضن الاختلاف بدل أن يخشاه. وفي مواجهة الاعتداءات الخارجية، يصبح التماسك الداخلي شرطًا أساسيًا للصمود، لا مجرد خيار سياسي.
من هنا، فإن إعادة قراءة هذا النص في ضوء الواقع اللبناني تفتح الباب أمام مراجعة عميقة لخطابنا السياسي والديني. هل نحن بالفعل إلى جانب “الصغار والمتواضعين”، أم أننا نعيد إنتاج منطق القوة والتسلط بأشكال مختلفة؟ هل نبني السلام في تفاصيل حياتنا اليومية، أم نكتفي بالتغني به في المناسبات؟
في الختام، يمكن القول إن هذا النص ليس مجرد موقف عابر، بل دعوة مفتوحة لإعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان على قاعدة الكرامة والمحبة. ولبنان، بما يملكه من تاريخ وتجربة، قادر على أن يكون نموذجًا حيًا لهذه القيم، إذا ما أحسن أبناؤه اختيار الطريق: طريق التواضع، لا التعجرف؛ طريق الوحدة، لا الانقسام؛ وطريق الإنسان، قبل أي شيء آخر.



