
بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
في عالم تحكمه معادلات القوة المركّبة، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الاقتصاد والسياسة، يبرز مضيق هرمز كأحد أهم الأصول الاستراتيجية غير المستغلة بالكامل في النظام الدولي. فالممر الذي يعبره ما يقارب 20 مليون برميل نفط يومياً، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي، لا يمثل فقط عقدة طاقة، بل يمكن أن يتحول وفي حال إعادة توظيفه اقتصادياً إلى رافعة سيادية قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد الإيراني، وتثبيت معادلة ردع جديدة في المنطقة.
في هذا السياق، يطرح سيناريو فرض رسوم عبور على السفن، بمتوسط مليوني دولار لكل سفينة ، كخيار استراتيجي يتجاوز كونه إجراءً مالياً إلى كونه تحولاً في بنية القوة الاقتصادية.
أولاً: الحسابات الاقتصادية أرقام تتجاوز النفط
تشير بيانات حركة الملاحة البحرية إلى أن عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية يتراوح بين 100 و 120 سفينة يومياً. وبناءً على فرض رسم عبور قدره مليونا دولار لكل سفينة، يمكن بناء السيناريوهات التالية:
سيناريو الاستقرار الكامل (150 سفينة يومياً) : إيرادات يومية: 300 مليون دولار إيرادات سنوية 108 مليار دولار
سيناريو متوسط (100 سفينة يومياً): إيرادات سنوية نحو 73 مليار دولار
سيناريو متحفظ (50 سفينة يومياً): إيرادات سنوية: حوالي 51 مليار دولار
هذه الأرقام ليست نظرية. فبعض التقديرات الحديثة تشير إلى أن كلفة المرور الفعلية لناقلات النفط العملاقة )VLCC( سواء عبر التأمين أو المخاطر أو الرسوم غير المباشرة – قد تصل فعلياً إلى مستويات قريبة من 2 مليون دولار للرحلة الواحدة.
المقارنة المفصلية: تتراوح عائدات النفط الإيرانية السنوية تحت وطأة العقوبات ما بين 30 و 60 مليار دولار. أي أن رسوم المضيق ، في سيناريو مستقر، يمكن أن تعادل أو تتجاوز كامل القطاع النفطي.
ثانياً: المضيق كبديل وظيفي للعقوبات
1 – تدفق نقدي سيادي خارج النظام الغربي
فرض رسوم عبور يمكن ان يوفر لإيران تدفقات مالية مباشرة بالعملات الصعبة ، قنوات تحصيل لا تمر عبر النظام المالي الغربي ، ومرونة في استخدام أدوات دفع بديلة (اليوان، المقايضة، العملات الرقمية) ، النتيجةهي تقليص فعالية العقوبات بشكل جذري.
2- تمويل إعادة الإعمار دون ديون
إذا افترضنا إيرادات سنوية في حدود 73 مليار دولار كسيناريو متوسط ، فإن ذلك يسمح بـإعادة بناء البنية التحتية للطاقة خلال 1 – 2 سنوات ، تحديث الموانئ وشبكات النقل ، وتمويل الإنفاق العسكري والتقني .
ان ايران قادرة بموجب هذه الرسوم على اعادة الاعمار دون الحاجة إلى قروض دولية ، برامج إنقاذ ، وتنازلات سياسية.
3- استقرار نقدي داخلي
ان تدفقات العملة الصعبة تؤدي إلى تعزيز الاحتياطيات ، دعم العملة المحلية ، وخفض التضخم المستورد ، أي الانتقال من اقتصاد مُحاصر إلى اقتصاد ممول ذاتياً .
ثالثاً: البعد الاستراتيجي – اقتصاد الردع
1- تحويل الطاقة إلى أداة ضغط
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 % من تجارة النفط العالمية وأكثر من 20 % من تجارة الغاز الطبيعي المسال ، ان أي اضطراب حتى محدود يمكن ان يؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار الطاقة ، موجة تضخم عالمي ، وضغط مباشر على الاقتصادات الصناعية.
2- ورقة تفاوض دائمة
في حالة السيطرة يمكن امتلاك القدرة على رفع أو خفض رسوم العبور ، والتحكم بوتيرة التدفقات ، وهذا يمنح إيران أداة تفاوض مستمرة مع القوى الكبرى ، وقدرة على فرض شروط اقتصادية وسياسية.
3- الردع غير العسكري
بدلاً من المواجهة التقليدية يصبح تكلفة استهداف إيران يعني صدمة طاقة عالمية وهذا يخلق نموذجاً جديداً من الردع وهو ردع اقتصادي قائم على الترابط العالمي.
رابعاً: الواقعية السياسية – القيود والتحديات
رغم الجاذبية النظرية ، يواجه هذا الخيار تحديات جدية منها الإطار القانوني الدولي. فمضيق هرمز يُصنف كممر دولي ، وفرض رسوم أحادية قد يُعتبر انتهاكاً لقانون البحار ما يفتح الباب أمام ضغوط سياسية أو حتى تدخل عسكري لضمان حرية الملاحة ، ومنها تسريع البدائل حيث ان الاستمرار في فرض رسوم مرتفعة سيدفع الدول إلى تطوير خطوط أنابيب بديلة ، تقليل الاعتماد على المضيق ما يحد من فعالية هذه الورقة على المدى الطويل. ومنها مخاطر الارتداد الاقتصادي حيث ان ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد العالمي ، تراجع الطلب على النفط ، ما ينعكس سلباً حتى على الدول المنتجة .
إن تحويل مضيق هرمز إلى مصدر إيرادات سيادي يمثل أحد أكثر الخيارات جرأة في الاقتصاد السياسي الحديث ، وإذا أُحسن توظيفه يمكن لمضيق هرمز أن يتحول من مجرد ممر للطاقة إلى ركيزة سيادية للتمويل والردع. أما إذا أُسيء استخدامه، فقد يتحول إلى نقطة اشتعال تعيد تشكيل الصراع العالمي بأكمله.



