اعتداء عين سعادة: رواية سقطت قبل أن تولد

الحوارنيوز – صحافة
تحت هذا العنوان كتب تمجيد قبيسي في صحيفة الأخبار:
سقطت رواية «الهدف الحزبي» سريعاً أمام الوقائع، بعدما روّجت وسائل إعلام لوجود قيادي في عين سعادة دون تحقق. بين التضليل والتوظيف السياسي، كاد الحدث يتحول إلى فتنة داخلية، قبل أن تكشف الشهادات الميدانية هشاشة السردية.
بعد استهداف العدو الإسرائيلي، أمس، شقة سكنية في محلة عين سعادة، سارع بعض وسائل الإعلام اللبنانية، وفي مقدّمها قناة MTV، إلى الترويج لروايات تتحدث عن وجود أحد قادة «حزب الله» في الطابق الثالث من المبنى، واعتباره الهدف المباشر للغارة. هذا الطرح جاء في توقيت شديد الحساسية، وبصيغة من شأنها تأجيج الشارع وإثارة التوتر، لا سيما أن المنطقة ذات غالبية مسيحية.
المشهد بدا كأنه جزء من سردية مُعدّة مسبقاً. يتكرر النمط ذاته مع كل استهداف يطال منطقة خارج بيئة المقاومة، حيث تُسارع بعض المنصات ووسائل الإعلام إلى ربط الموقع المستهدف بوجود قيادات أو عناصر من «حزب الله»، حتى قبل التأكد من الخبر. هذا النوع من التغطية يدفع المتلقي تلقائياً نحو تبنّي رواية العدو، التي تقوم على اتهام الحزب باستخدام الأحياء السكنية كغطاء لعمله العسكري، ما يشكّل خطراً مزدوجاً: أولاً على سلامة الأهالي، وثانياً عبر تكريس خطاب يخدم أهداف العدو، وثالثاً من خلال تغذية الانقسام الداخلي وإحياء التوترات الطائفية.
وفي هذا السياق، برزت بوضوح حملة تحريض متزامنة في تغطية قناة MTV، بالتوازي مع مواقف وتصريحات لشخصيات حزبية وناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أعطى الانطباع بوجود دفع سياسي وإعلامي في اتجاه تكريس هذه الرواية وتعميمها.
غير أنّ هذه الرواية سرعان ما واجهت تناقضات ميدانية واضحة. فقد نفى مالك الشقة لمراسل MTV بشكل قاطع أن تكون مؤجّرة، مؤكداً على أنها خالية، وهو ما شدد عليه أيضاً عدد من سكان المبنى الذين أكدوا عدم وجود أي قاطنين فيها. كذلك، أكّد رئيس بلدية عين سعادة، موريس الأسمر، المعطيات نفسها، مشيراً إلى أن الشقة غير مسكونة. هذا التلاقي في الشهادات من الجهات المعنية مباشرة أسقط الرواية المتداولة قبل أن تترسخ، وكشف خللاً واضحاً في آلية التحقق، مقابل وعي ملحوظ لدى الأهالي في التعامل مع الحدث.
وبعد تراجع هذه الرواية، برز انتقال سريع في الخطاب الإعلامي والسياسي، حيث اتجهت جهات مرتبطة بـ«القوات اللبنانية» إلى تبنّي سردية بديلة تقوم على تحميل «حزب الله» مسؤولية ما جرى، عبر اتهامه بـ«جرّ البلاد إلى الحرب» واعتبار ما يحصل «حروب الآخرين». هذا التحوّل السريع في الخطاب، من محاولة تثبيت وجود هدف عسكري داخل المبنى إلى إعادة تأطير الحدث سياسياً، يعكس توجهاً لتوظيف الواقعة في سياق الانقسام الداخلي، بما يتجاوز الوقائع الميدانية نفسها.
وقد أسفر الاستهداف عن استشهاد رئيس مركز يحشوش في «القوات اللبنانية» بيار معوّض وزوجته، متأثرين بجراحهما. هذا التطور أسهم في رفع منسوب التوتر، لا سيما مع استثماره إعلامياً على بعض المنصات، حيث برزت خطابات وشعارات اتخذت منحى تصعيدياً من شأنه تعميق الشرخ الداخلي.
وفي المقابل، جاء معظم مؤيدي المقاومة على مواقع التواصل الاجتماعي ليعبروا عن التعاطف والترحم على بيار معوّض وزوجته، مؤكدين على أن أي شخص يسقط في مواجهة العدوان الإسرائيلي يُعد شهيداً، وأن الخسارة الإنسانية تتجاوز أي جدل سياسي أو طائفي، وهو موقف يعكس وعياً مجتمعياً بتمييز الحدث الإنساني عن محاولات استثماره إعلامياً وسياسياً.
في المحصلة، يكشف هذا المشهد مجدداً خطورة الأداء الإعلامي غير المنضبط في لحظات حساسة، حيث تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى أداة توتر، وتُستخدم الرواية بما يتجاوز نقل الحدث، لتلامس حدود التأثير المباشر في الاستقرار الداخلي.



