رأي

استقبال رسمي بلا حاضنة شعبية: قراءة في مشهد النبطية (أسامة مشيمش)

 

بقلم: الدكتور أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز

 

بغضّ النظر عن طبيعة أهل الجنوب، تلك الطبيعة التي عُرفت تاريخيًا بالكرم المتجاوز حدوده المألوفة، حتى بلغ حدّ تقديم الدم والروح على مذبح الوطن دفاعًا عن الأرض والكرامة، فإن ما جرى الأسبوع الماضي في مدينة النبطية يفرض قراءة هادئة وعميقة تتجاوز المشهد البروتوكولي إلى دلالاته السياسية والشعبية الأعمق.

لقد شكّل استقبال رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام لافتتاح سوق النبطية الجديد المؤقت، ريثما تُستكمل أعمال الإعمار في المناطق المتضررة من العدوان الإسرائيلي الأخير، حدثًا لافتًا في الشكل، لكنه ملتبس في المضمون. فالاستقبال، وإن بدا حاشدًا، لم يكن استقبالًا شعبيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كان استقبالًا رسميًا بحتًا شاركت فيه الفعاليات والمؤسسات، فيما حضرت فئات شعبية لا للترحيب، بل لإيصال رسالة سياسية واضحة عنوانها الاعتراض والاستنكار.

هذا السوق، الذي أُقيم كحلٍّ مؤقت لإعادة تحريك العجلة الاقتصادية والتجارية في المدينة، لا يُنسب في تمويله إلى أي جهة خارجية، لا إيرانية ولا غيرها. غير أن سياق الحدث لا يمكن فصله عن المشهد الأشمل المتعلّق بملف الإعمار، حيث عجزت الدولة اللبنانية حتى الآن عن تأمين مساعدات عربية وغربية غير مشروطة، في مقابل عروض إيرانية معلنة لإعادة الإعمار من دون شروط سياسية أو سيادية، لو وافقت الدولة اللبنانية على ذلك. وهو تمييز جوهري لا بدّ من توضيحه، لأن الخلط المتعمّد أو غير المتعمّد في هذا الشأن يخدم سرديات سياسية لا تعكس الواقع.

أما الرسالة الشعبية التي رافقت الزيارة، فلم تكن موجّهة ضد مدينة النبطية ولا ضد فكرة إعادة الإعمار، بل جاءت تعبيرًا عن موقف متراكم من شخص رئيس الحكومة، على خلفية مواقفه السابقة وتصريحاته وبياناته المكتوبة، التي لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية لبيئة المقاومة. فالرجل، الذي لا يُعرف عنه إتقان الخطابة أو القدرة على التواصل المباشر مع الناس، لم ينجح في بناء علاقة وجدانية أو سياسية متوازنة مع شريحة واسعة من اللبنانيين، وهو أمر بالغ الخطورة لمن يتولّى رئاسة السلطة التنفيذية في بلد متعدّد وحسّاس كلبنان.

ولا يخفى على أحد أن زيارة الجنوب وافتتاح السوق ما كانا ليحصلا لولا توصية ورعاية دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، الذي شكّل حضوره السياسي والوطني مظلّة للزيارة، وساهم في تأمين حدٍّ أدنى من الاستقبال الرسمي. ومن دون هذا الغطاء، كان من الصعب على القاضي نواف سلام أن يجد من يدعوه إلى الجنوب، أو من يمنحه موقع الصدارة في مناسبة ذات حمولة سياسية وشعبية عالية.

لقد أكدت هذه الزيارة أن معاندة جمهور المقاومة، أو تجاهل ذاكرته وتضحياته، لا تمرّ مرور الكرام. فحادثة إضاءة صخرة الروشة بصورة الشهيد السيد حسن نصر الله، وما رافقها من مواقف، لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الجمعي، وتشكل أحد أبرز عناوين القطيعة المعنوية بين رئيس الحكومة وهذه البيئة.

إن شعب الجنوب قد يسامح، وقد يتجاوز الكثير من الجراح، لكنه لا ينسى الإساءة، كما لا ينسى الإحسان. ومن يطمح إلى إدارة شؤون هذا البلد، عليه أن يدرك أن الشرعية الحقيقية لا تُستمد من الصور الرسمية ولا من الزيارات المعلّبة، بل من احترام الذاكرة، وفهم التوازنات، والوقوف على مسافة واحدة من كرامة الناس وخياراتهم.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى