مهنا محاضرا في مسرح المدينة حول “الكرامة بوصفها فعلاً جماعياً ” ودور “عامل” الحوارنيوز – محليات

الحوارنيوز – محليات
نظّم مسرح المدينة، مساء الخميس الواقع في 29 كانون الثاني، محاضرة فكرية بعنوان: «الكرامة بوصفها فعلاً جماعياً: دور مؤسسة عامل الدولية في بناء الإنسان وصون الحرية» ألقاها الدكتور كامل مهنا، رئيس مؤسسة عامل الدولية والمنسّق العام لتجمّع الهيئات التطوعية في لبنان، وذلك بحضور حشد من الشخصيات الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، والدبلوماسية، إلى جانب عدد من العاملين والمتطوّعين في مؤسسة عامل من مختلف المناطق اللبنانية.
كلمة ترحيبية وشهادة وجدانية
استُهلّت الأمسية بكلمة ترحيبية ألقتها رئيسة جمعية مسرح المدينة للثقافة والفنون، الفنانة نضال الأشقر، قدّمت فيها الدكتور كامل مهنا بشهادة وجدانية قالت خلالها:
«عندما أسأل نفسي، أسأل كامل مهنا، وعندما أريد أن أعرف، أسأل كامل مهنا، وعندما أريد أن أستفهِم، أسأل كامل مهنا».
ووصفته بالبوصلة التي لا تنحرف عن اتجاهها ومعتقداتها، وبالحقيقة التي لا تتجزّأ، والصديق الذي لا يساوم على مكانته، مشيرةً إلى تعدّد أدواره كطبيب وناشط جامع، ومنسّق ومدبّر وحكيم، وإلى مسيرته الطويلة في الدفاع عن الإنسان والكرامة.
الكرامة ممارسة يومية لا شعار
في محاضرته، قدّم الدكتور مهنا مقاربة فكرية وإنسانية شاملة لمفهوم الكرامة، بوصفها فعلاً جماعياً وممارسة يومية، لا مجرّد شعار، مؤكداً أن بناء الإنسان يشكّل المدخل الأساسي لبناء الوطن، وأن العمل الإنساني الحقيقي يقوم على الشراكة مع المجتمعات المحلية، واحترام كرامة الإنسان، والعمل معه لا باسمه.
وتناول دور الحركات الاجتماعية والمؤسسات المدنية في الدفاع عن الحقوق الأساسية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ المساواة، مشدداً على الترابط العضوي بين الكرامة، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق المرأة، وحماية البيئة. كما أكّد أن السياسة، بمعناها الواسع، هي مسؤولية أخلاقية تجاه الناس، وأن التحدّي الحقيقي يكمن في تحويل المواقف والقيم إلى ممارسات ملموسة على الأرض.
الثقافة كخط دفاع أول عن الإنسان
وقال مهنا في كلمته:
«أبدأ من حيث يجب أن يبدأ أي كلام عن الكرامة والحرية: من الثقافة، من المسرح، من هذا المكان الذي تصرّ الفنانة نضال الأشقر على أن يبقى مساحة تفكير وفن حر، ومنبراً لمقاومة اليأس والهزيمة، في زمن يُراد فيه للإنسان أن يستسلم ويتنازل عن حقوقه ليَسلم، ولا يسلم».
وأضاف:
«شكراً لمسرح المدينة، هذا الصرح العريق الذي لم يكن يوماً مجرّد خشبة للعرض، بل كان على الدوام مسرحاً للوعي والمعرفة والإبداع، ومنبراً للأسئلة الصعبة، وملجأً للفكر الحر في بيروت ولبنان. هنا قاومت الكلمة القمع، وواجه المسرح الاستعمار والرداءة والخوف، وحافظت الثقافة على دورها كخط دفاع أول عن الإنسان».
وتوجّه مهنا بالشكر والتقدير إلى نضال الأشقر، واصفاً إياها بأنها «تجربة نضال طويلة أثبتت وتثبت أن الثقافة قادرة على حماية الحريات حين تتخلّى عنها السياسة»، ومؤكداً أن الثقافة، حين تُمارَس بصدق، تصبح فعلاً سياسياً أخلاقياً لا زينة ولا ترفاً.
من الشعارات إلى الممارسة
وتابع مهنا:
«أن نكون صوتاً فاعلاً في المجتمع، هذا هو المدخل الحقيقي لكي نتمكّن يوماً ما، في هذا البلد وفي البلدان العربية، من جعل الإنسان هدفاً ووسيلة في كل أمر. لا أحد منّا اختار دينه، أو اسمه، أو جنسيته، هذه أمور ورثناها. أمّا ما يمكننا أن نقوم به معاً، فهو التحدّي الحقيقي في مجتمع لا يزال قائماً على العصبيّات. لا يمكن أن نتطوّر إذا اكتفينا بالشعارات».
وأضاف:
«خمسة عقود ونصف من العمل الوطني والإنساني علّمتنا أن السؤال الجوهري هو: كيف نتعاطى بعقلانية؟ العقلانية ليست شعاراً نرفعه، بل ممارسة يومية. لو تعاملنا بعقلانية، لكان لبنان نموذجاً بامتياز».
الإنسان في صلب السياسة والعمل الإنساني
وأشار مهنا إلى أن كل شيء سياسي، ليس بمعنى التحزّب، بل بمعنى أن الإنسان كائن سياسي بطبيعته، حتى حين ينسحب أو يتهرّب أو يترك الواقع كما هو. وميّز بين سياسة جيّدة تنطلق من مصالح الناس وخدمتهم، وسياسة سيّئة تُنتج الانقسام وتستثمر في الخلاف.
وتطرّق إلى تجربته بعد الغزو الإسرائيلي، وتوسّع عمله من المخيّمات الفلسطينية إلى مختلف المناطق اللبنانية، حيث تبلورت القناعة بأن العمل الإنساني ليس موسماً ولا شعاراً، بل التزام طويل، وأن لا قيمة للكلام إذا لم يرافقه فعل، ولا معنى للانتصارات الخطابية إذا كنّا نعيش الهزيمة في الواقع.
العمل الإنساني شراكة لا تجارة
وشدّد مهنا على أن العمل الإنساني يبدأ من الميدان، ومن العيادة، ومن المستشفى، ومن المناطق الشعبية والمخيّمات، وأن الثقة مع الناس تُبنى بالحضور والاستمرارية واحترام كرامتهم، لا بالخطابات.
وانتقد ما سمّاه «تجّار العمل الإنساني» الذين يتعاملون مع التضامن كسلعة، مؤكداً أن التضامن الحقيقي يبدأ من احترام الناس، وبيوتهم، وخياراتهم، وخصوصياتهم، وألمهم، ومن الاعتراف بأن العمل الإنساني ليس تفضّلاً على أحد، بل شراكة مع المجتمع وتنمية معه، لا باسمه.
وأكد أنه لا يمكن الحديث عن ديمقراطية من دون مساواة فعلية، ولا عن مشاركة من دون تمكين حقيقي للمرأة، ولا عن عدالة من دون معالجة التفاوت الحاد في توزيع الثروة. كما شدّد على أن حماية البيئة جزء لا يتجزّأ من العدالة الاجتماعية، لأن الإنسان لا يعيش خارج الطبيعة، ولا تكتمل العدالة إذا دُمّرت شروط الحياة نفسها.
وختم بالقول:
«نحن نحب الناس الذين نعمل معهم، ونبدأ من هذا الحب، ثم نبني الثقة، ثم نُنجز. هكذا يتحوّل التضامن المجتمعي من ردّة فعل عاطفية إلى ثقافة مواطنة، ومن مبادرة ظرفية إلى مشروع مستدام».
خلفية عن مؤسسة عامل الدولية
تأسّست مؤسسة عامل الدولية في لبنان عام 1979، في خضمّ الأزمات والحروب، كمبادرة إنسانية وطنية غير طائفية، تُعنى بتقديم الخدمات الصحية والاجتماعية والتنموية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، طوّرت المؤسسة شبكة واسعة من المراكز المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، ولا سيّما في المناطق المهمّشة، وتعمل وفق مقاربة شاملة تقوم على الربط بين الصحة، والتنمية، والحقوق، والمواطنة.
وتُعدّ مؤسسة عامل الدولية من المؤسسات الرائدة في العمل الإنساني والتنموي في لبنان والمنطقة، إذ تجمع بين تقديم الخدمات المباشرة، والعمل المجتمعي، والمناصرة، وبناء القدرات، انطلاقاً من رؤية تعتبر الإنسان محور السياسات والبرامج، والكرامة أساس أي تدخل إنساني مستدام.
وشكّلت هذه المحاضرة مناسبة فكرية ونقاشية لتجديد الالتزام بالقيم التي قامت عليها مؤسسة عامل، وللتأكيد على دور الثقافة، والعمل المدني، والشراكة المجتمعية في مواجهة التحديات المتفاقمة التي يمرّ بها لبنان، وفي الدفاع عن الحق في الحياة، والحرية، والكرامة الإنسانية.



