دولياتسياسة

سقوط الإمبراطورية التي بدأت تفترس حلفاءها ! (عماد عكوش)

 

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز

وصلت اميركا الى ما هي عليه اليوم بواسطة أمرين هما قوة اقتصادها وقوة حلفائها ، فهل بداية تفكيك هذه التحالفات اليوم يمثّل بداية تراجع الإمبراطورية الأميركية أم مجرد إعادة تموضع. في البداية كان اقتصاد الولايات المتحدة بعد 1945 منتجا تمت اضافة تحالفات ذكية اليه وصلت الى مرحلة الهيمنة العالمية .

عند نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، خرجت الولايات المتحدة في وضع غير مسبوق تاريخياً، فأوروبا مدمّرة ، اليابان منهكة ، والاتحاد السوفيتي منهك بشرياً واقتصادياً، بينما الولايات المتحدة تملك أكثر من 50% من الناتج الصناعي العالمي ، لم تُدمَّر بنيتها التحتية ، تمتلك احتياطات ذهب هائلة ، وتسيطر على النظام المالي العالمي ، فوضعت خطة مارشال (1947 – 1951) لإعادة إعمار الآخرين لخدمة الاقتصاد الأميركي ، لكن أهدافها الفعلية كانت أعمق وهي خلق طلب خارجي دائم على المنتجات الأميركية ، منع انهيار الأسواق الأوروبية التي تحتاجها أميركا ، منع صعود الشيوعية عبر الاستقرار الاقتصادي ، وربط أوروبا بالنظام المالي والتجاري الأميركي . بمعنى آخر أميركا صدّرت فائض إنتاجها بدل أن تعاني من كساد ، وحوّلت أوروبا إلى شريك تابع لا منافس.

خلال تلك الفترة استطاعت الولايات المتحدة الاميركية من خلال نظام “بريتون وودز” ان تفرض الدولار عملة الاحتياط العالمية حيث تم ربطه بالذهب حتى 1971 ،كما تم انشاء صندوق النقد والبنك الدولي بقيادة أميركية. هذا الامر مكّن الولايات المتحدة من تمويل عجزها بطباعة الدولار ، فرض سياسات اقتصادية عالمية ، ومعاقبة الخصوم مالياً دون حرب .

هنا يجب ان نعلم بان القوة الاقتصادية وحدها لا تصنع إمبراطورية ، بل تحتاج إلى شبكة أمان سياسية وعسكرية، لذلك بنت الولايات المتحدة الاميركية تحالفات عسكرية وسياسية كأداة هيمنة، منها حلف شمال الأطلسي (الناتو) والذي تم تأسيسه  عام 1949 والذي لم يكن فقط لمواجهة السوفيات ، بل لـضمان تبعية أوروبا أمنياً ، منع قيام قوة عسكرية أوروبية مستقلة ، تسويق السلاح الأميركي ، وربط الأمن الأوروبي بالقرارالأميركي . انطلاقا من ذلك كانت أوروبا تدفع ثمن أمنها ، بينما تتحكم واشنطن بقراره.

كما بنت قواعد عسكرية دائمة مقابل حماية اليابان وكوريا وتايوان في شرق آسيا ومنع التسلح الاستراتيجي الكامل ، وربط الاقتصادات الآسيوية بسلاسل القيمة الأميركية . النتيجة كانت حلفاء أقوياء اقتصادياً، لكن تابعون استراتيجياً.

كل ذلك لم يكن مجانا ، بل أدوات ربح صافية. فالحلفاء هم أكبر مستوردي السلع الأميركية ، فوائضهم تُعاد استثمارها في سندات الخزينة الأميركية ، شراء السلاح الأميركي من قبلهم وبأرقام كبيرة ، اصطفاف دبلوماسي شبه تلقائي ، قيامهم بالحروب وكالة عن الولايات المتحدة وبالتالي دماء غير أميركية لحماية مصالح أميركية .

لكن هل تفكيك التحالفات اليوم نتيجة لتصرفات الرئيس ترامب معهم هو بداية تراجع الإمبراطورية وما الذي تغيّر فعلاً؟

منذ نحو عقد ، وخصوصاً مع تصاعد التيار “الإنعزالي” في واشنطن تم فرض رسوم جمركية على الحلفاء (أوروبا، كندا، اليابان) ، تهديد بالانسحاب من الناتو ، عقوبات حتى على شركاء تقليديين ، ولغة عدائية تجاه “الاستفادة المجانية” للحلفاء . هل تفسير هذا التحول عرض قوة أم مرض بدأ يصيب الامبراطورية الاميركية؟

الرأي الأول يقول ان هذا عرض قوة متأخرة، فالإمبراطوريات في ذروتها تستوعب الحلفاء، وفي بداية التراجع تبدأ بافتراسهم . ان فرض الرسوم على الحلفاء يعني عجز داخلي ، فقدان القدرة على القيادة بالإقناع ، والتحول من الهيمنة الناعمة إلى القسر . الامبراطوريات السابقة بدأت بالتراجع عندما تحوّل الحلفاء إلى عبء لا أصل، ويبدو أن حلفاء اميركا بدأوا يشكلون عبئا على الاقتصاد الاميركي ويجب ازاحته .

الرأي الثاني يقول ان هذا إعادة تموضع قاسية، فأميركا لم تعد قادرة على تمويل وحماية الجميع، وهي بالتالي تحاول تقليل الكلفة ، نقل العبء للحلفاء ، وإعادة بناء صناعتها داخليا . لكن المشكلة هنا تكمن في ان الإمبراطورية التي تطلب من الجميع الدفع ، تفقد هنا ولاء الجميع.

أخطر ما في المرحلة الحالية ليس صعود خصوم أميركا، بل تفكك شبكتها الخاصة. فالإمبراطوريات لا تسقط عندما تُهزم عسكرياً، بل عندما تتوقف عن كونها مفيدة لحلفائها.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى