إميل لحود… الثابت على عهده لا كالناكث له (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
في الحياة السياسية اللبنانية أسماء كثيرة مرّت على المناصب وغادرتها، لكن القليل منها بقي حاضرا في الوعي الوطني بمواقفه لا بموقعه. ومن بين هؤلاء يبرز رئيس الجمهورية الأسبق العماد إميل لحود الذي لا يزال، بعد خروجه من السلطة بسنوات، يتحدث بلغة السيادة والكرامة الوطنية، في وقت يتجنب فيه كثيرون قول ما يرونه حقا خشية الضغوط أو الحسابات السياسية.
موقف لحود الأخير جاء على وقع أرقام دامية أعلنتها وزارة الصحة العامة منذ 02/03/2026، إذ بلغ عدد الشهداء 773 شهيدا ونحو ألفي جريح، بينهم أكثر من 100 طفل، إضافة إلى تدمير مئات المنازل وعشرات القرى وتهجير ما يقارب 800 ألف لبناني من بيوتهم. ومع ذلك، لا تزال بعض الأصوات في الداخل تحاول تحميل الضحايا أنفسهم مسؤولية المجازر التي يرتكبها الاحتلال، في مفارقة قاسية تعكس حجم الانقسام السياسي والإعلامي في البلاد.
أمام هذا الواقع، شدد لحود على أن الواجب الوطني يفرض احتضان المتضررين والوقوف إلى جانبهم، لأنهم يدفعون الثمن نيابة عن لبنان كله. كما أكد ضرورة دعم الجيش اللبناني وقائده في موقفه الوطني الرافض تحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة لخدمة الاحتلال أو لتنفيذ ما عجز عنه العدو في الحرب.
هذا الكلام ليس موقفا عابرا، بل امتداد لمسار سياسي واضح رافق لحود منذ توليه قيادة الجيش ثم رئاسة الجمهورية بين 1998 و2007. في تلك المرحلة ترسخت معادلة دعم الجيش والمقاومة معا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهي المعادلة التي أثبتت فعاليتها مع تحرير جنوب لبنان في 25 أيار 2000، بعد أكثر من عقدين من الاحتلال.
في تلك المرحلة أيضا كان لحود من أبرز المدافعين عن حق اللبنانيين في مقاومة الاحتلال، في وقت راهن فيه كثيرون على التسويات الدولية أو الضغوط السياسية وحدها. وقد أكد مرارا أن المقاومة ليست خيارا سياسيا ظرفيا، بل ضرورة وطنية طالما بقي الاحتلال والاعتداءات.
وخلال عدوان تموز 2006 وقف لحود في موقع واضح إلى جانب حق لبنان في الدفاع عن نفسه، رافضا الضغوط الدولية التي حاولت تحميل لبنان مسؤولية الحرب، ومؤكدا أن الجيش والمقاومة يشكلان معا خط الدفاع عن السيادة الوطنية. وقد عبّر آنذاك بوضوح عن رفضه أي مقايضة بين الكرامة الوطنية وأي مكاسب سياسية أو اقتصادية.
بعد انتهاء ولايته الرئاسية، لم يغادر لحود موقعه الوطني. فقد استمر في الدفاع عن سيادة لبنان وحقه في المقاومة، منتقدا أي محاولات لتحويل لبنان إلى ساحة خاضعة للإملاءات الخارجية أو للضغوط الأميركية والإسرائيلية.
وفي موقفه الأخير أعاد التذكير بأن المشروع الإسرائيلي يقوم أساسا على ضرب الوحدة الداخلية اللبنانية، لأن العدو يدرك أن انقسام اللبنانيين يحقق له ما عجز عنه في الميدان. لذلك فإن استهداف البيئة التي تتعرض للقصف والتهجير يخدم مباشرة هذا المشروع ويضعف القدرة الوطنية على الصمود.
في المقابل، أشاد لحود بالأكثرية من اللبنانيين الذين فتحوا بيوتهم للنازحين واحتضنوا إخوتهم في الوطن، مدركين أن ما يجري ليس خلافا داخليا بل مواجهة مع مشروع يستهدف لبنان كله.
المواقف التي يعبّر عنها لحود اليوم تختصر تجربة طويلة في السياسة والدولة. السيادة لا تُحمى بالشعارات، والوحدة الوطنية ليست تفصيلا، بل شرط أساسي في مواجهة أي عدوان. أما محاولة تحميل الضحية مسؤولية ما تتعرض له فهي الطريق الأقصر إلى الانقسام وإلى إضعاف الموقف الوطني.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، لكن من الصعب تجاهل أن إميل لحود يمثل نموذجا لمسؤول بقي وفيا لموقفه بعد مغادرة السلطة. في بلد اعتاد تبدل المواقف بتبدل المواقع، تبدو هذه الاستمرارية بحد ذاتها قيمة سياسية وأخلاقية نادرة.



