الجنوب اولاً… ام اجندة الخارج؟ (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
بين قرار سياسي يدفع نحو الانتقال الى “المرحلة الثانية” شمال الليطاني، وموقف عسكري واضح يؤكد ان مهمة الجيش جنوبي النهر لم تُستكمل بعد، وان الانتقال يحتاج الى الوقت وتناسب التنفيذ مع الاوضاع الميدانية، يظهر التباين داخل الدولة نفسها حول تعريف الأولوية: هل تثبيت الجنوب واستكمال الانتشار اولاً، ام استعجال خطوة تُقرأ في الخارج اكثر مما تُقرأ في الداخل؟
المسألة ليست تقنية، نهر الليطاني ليس مجرد خط جغرافي، بل خط سياسي ـ امني ـ استراتيجي ارتبط منذ عام 2006 بمعادلات القرار 1701 وتوازن الردع القائم، عندما تُطرح “المرحلة الثانية” شمال الليطاني. وفيما الاحتلال الاسرائيلي لا يزال يتمركز في تلال حاكمة ويواصل اعتداءاته واغتيالاته ويحتجز اسرى، يصبح السؤال مشروعا، على اي قاعدة سيادية يُبنى هذا الانتقال، وهل يُعقل ان تُفصل الخطوات الداخلية عن واقع العدوان الخارجي؟.
الحكومة تسوّق اندفاعتها تحت ثلاثة عناوين مترابطة: اولاً ارضاء المجتمع الدولي وفتح ابواب الدعم المالي والاقتصادي. ثانياً تثبيت حصرية السلاح بيد الدولة بوصفها عنوان الدولة الحديثة. ثالثاً تسجيل انجاز سياسي بعد سنة من التعثر في معالجة الانهيار المالي والخدماتي.
لكن هذه العناوين تصطدم بوقائع ميدانية صلبة، فالعدو لم ينسحب بالكامل، والاعتداءات مستمرة، والجنوب لم يُستكمل ضبطه عسكريا وفق ما تعلن القيادة نفسها. بمعنى آخر، هناك فارق بين خطاب سياسي يريد استعجال المسار، وقراءة عسكرية تحذّر من القفز فوق الوقائع.
في المقابل، تجارب الجيش اللبناني تؤكد ان المؤسسة العسكرية ليست عاجزة عن خوض المواجهة حين يتوافر القرار السياسي والغطاء الوطني، من معارك نهر البارد عام 2007 ضد تنظيم “فتح الإسلام”، الى عملية “فجر الجرود” عام 2017 ضد التنظيمات الارهابية على الحدود الشرقية،حيث اثبت الجيش قدرته على الحسم وحماية الداخل وتثبيت الحدود. هذه السوابق تفكك حجة العجز، وتعيد النقاش الى جوهره، من يحدد سقف القرار، وما هي الأولويات؟.
الانطباع السائد لدى شريحة واسعة من اللبنانيين ان الحكومة تتصرف وكأنها جاءت لتنفيذ مهمة واحدة هي نزع السلاح. هذا الانطباع يتغذى من مشهد اقليمي واضح، اسرائيل تقصف وتضغط تحت عنوان “نزع السلاح” في لبنان وغزة وسوريا، واميركا تمارس حصارا ماليا واقتصاديا وتربط الدعم العسكري بشروط سياسية، بما يكرس معادلة واحدة، الامن الاسرائيلي في صدارة الحسابات.
هنا تتقدم الاسئلة الصعبة، هل يتحقق الردع بإلغاء المقاومة فيما الاحتلال قائم والاعتداء مستمر، وهل تحمي الدولة مواطنيها بالاستجابة لشروط يضعها خصم لم يوقف حربه، وهل يُبنى الامن الوطني على وعود خارجية ام على معادلة قوة داخلية؟.
المعضلة الحقيقية ليست صراعا نظريا بين “دولة” و”مقاومة”، بل خلاف على ترتيب الأولويات. منطق السيادة يفترض تثبيت الجنوب وانهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات اولاً، ثم الانتقال الى نقاش داخلي هادئ حول استراتيجية دفاعية جامعة تدمج كل عناصر القوة في اطار وطني منظم، اما القفز مباشرة الى حصر السلاح شمال الليطاني، فيما الخطر لم يتراجع، هو استجابة لضغط خارجي منه الى خطة دفاع متكاملة.
السيادة ليست شعارا، بل توازن قوة وقرار مستقل، والكرامة الوطنية لا تُقاس بعدد البيانات ولا بخطوط جغرافية مرسومة على الخرائط، بل بقدرة الدولة على حماية ارضها وشعبها من دون مقايضات مجانية. لذلك يبقى السؤال مفتوحا: هل يبدأ المسار من حماية الجنوب فعلياً، ام من تنفيذ جدول اعمال يُراد له ان يسبق الوقائع؟.



