رأي

لبنان بين الوصاية والسيادة:  متى يقول اللبنانيون كلمتهم؟ ( أسامة مشيمش) 

 

بقلم: د. أسامة توفيق مشيمش – الحوار نيوز

منذ عشرينيات القرن الماضي، ومع قيام إعلان دولة لبنان الكبير، لم يعرف لبنان استقلالاً سياسياً كاملاً بالمعنى الحقيقي للكلمة. ففكرة الوصاية الأجنبية رافقت هذا الكيان منذ ولادته، وإن تبدلت الدول الراعية أو تغيرت أشكال النفوذ والتأثير. مرة كانت الوصاية مباشرة، ومرة أخرى غير مباشرة، لكنها بقيت حاضرة في بنية النظام السياسي اللبناني وفي طريقة إدارة شؤونه الداخلية.
المفارقة أن جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية، بل وحتى من المجتمع، لم يتعامل مع هذه الظاهرة بوصفها انتقاصاً من السيادة الوطنية. بل إن ثقافة الاستقواء بالخارج تحولت مع مرور الزمن إلى ممارسة شبه طبيعية داخل الحياة السياسية اللبنانية. فبدلاً من أن يلجأ المواطن إلى الدولة كمظلة جامعة، لجأ إلى مرجعيته الطائفية، وهذه المرجعيات بدورها كانت تستقوي بالخارج طلباً للدعم أو الحماية أو تعزيز النفوذ.
غير أن التجربة التاريخية، القديمة منها والحديثة، أثبتت عقم هذه المعادلة وخطأها. فالدول التي استعانت بالخارج لتثبيت نفوذها لم تبنِ دولة حقيقية، ولم تُنشئ نظاماً سياسياً مستقلاً قادراً على حماية مصالح شعبه. وعلى مدى عقود، كان ثمن هذه المعادلة باهظاً: انقسامات داخلية، أزمات سياسية متكررة، وانهيارات اقتصادية واجتماعية يدفع ثمنها المواطن اللبناني وحده.
اليوم، وفي ظل الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان، يعود مشهد التدخل الخارجي ليطل برأسه بشكل أكثر فجاجة. فحين تصل الأمور إلى حد أن تقوم الإدارة الأميركية في عهد دونالد ترامب بطرح أسماء لتولي قيادة الجيش اللبناني بديلاً عن القائد الحالي، فإن السؤال يصبح مشروعاً: في أي خانة نضع أنفسنا كدولة؟ وهل أصبح القرار السيادي اللبناني مجرد تفصيل في حسابات القوى الخارجية؟
إن السماح بمثل هذا التدخل العلني في شأن سيادي حساس يعكس أزمة عميقة في بنية النظام السياسي اللبناني. فالدول التي تحترم نفسها لا تسمح بأن تُفرض عليها قيادات مؤسساتها العسكرية أو الأمنية من الخارج، لأن هذه المؤسسات تمثل جوهر السيادة الوطنية وأحد أهم رموز استقلال الدولة.
لقد أثبتت التجربة أن دول الوصاية لم تكن يوماً حريصة على تطبيق مبدأ “الرجل المناسب في المكان المناسب”. بل كانت تسعى غالباً إلى وضع أتباعها ومريديها في مواقع القرار، بحيث يصبح ولاؤهم للخارج قبل أن يكون للوطن. وهكذا تتحول المؤسسات إلى أدوات نفوذ، ويغدو الوطن مجرد ساحة صراع للمصالح الإقليمية والدولية.
وسط هذا الواقع المعقد، تبقى المؤسسة العسكرية اللبنانية، أي الجيش اللبناني، إحدى الركائز القليلة التي ما زالت تحظى بثقة اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم. فالجيش، رغم كل الضغوط السياسية والاقتصادية، استطاع أن يحافظ إلى حد كبير على موقعه كمؤسسة وطنية جامعة تمثل آخر خطوط الدفاع عن وحدة البلاد واستقرارها.
لذلك فإن حماية هذه المؤسسة من التدخلات السياسية والخارجية ليست مطلباً فئوياً ولا موقفاً سياسياً عابراً، بل هي ضرورة وطنية ملحّة. فالجيش يجب أن يبقى بعيداً عن التجاذبات، وأن يُترك لآلياته المؤسساتية كي تختار قياداته وفق معايير الكفاءة والخبرة والمصلحة الوطنية.
لقد آن الأوان للبنانيين أن يطرحوا السؤال الكبير: متى نقرر أن نبني دولة حقيقية؟ دولة لا تستقوي بالخارج، ولا تسمح لأي جهة كانت أن تملي عليها قراراتها. دولة تكون فيها السيادة قراراً وطنياً، والمؤسسات مرجعيتها القانون فقط.
ربما تكون البداية بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها: أن نقول بوضوح، ومن دون تردد، إن لبنان ليس تابعاً لأحد، وإن مؤسساته ليست مجالاً للتجارب أو للمساومات الدولية.
فإذا كان ثمة ما تبقى من لبنان اليوم، فإن الحفاظ عليه يبدأ بحماية مؤسساته الوطنية، وفي مقدمتها الجيش، وتركه بعيداً عن أي وصاية أو تدخل. لأن الجيش، في نهاية المطاف، ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل هو الضامن الأخير لبقاء الدولة نفسها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى