سياسةمحليات لبنانية

قالت الصحف:أجواء قاتمة عشية الاستقلال بين التدقيق الجنائي والجمود الحكومي وتعقيدات الترسيم

الحوار نيوز – خاص


بين انسحاب التدقيق الجنائي والجمود الحكومي وتعقيدات الترسيم ،تنوعت افتتاحيات الصحف الصادرة هذا الصباح،والتقت عند الأجواء القاتمة التي يعبر عنها ارتفاع سعر الدولار والأسعار عشية ذكرى الاستقلال.


• كتبت "النهار" تقول:أيا يكن مضمون التوجهات والمواقف التي ستتضمنها الكلمة التي سيوجهها رئيس الجمهورية ميشال عون مساء اليوم الى اللبنانيين عشية احياء ذكرى الاستقلال فهي لن تحجب او تقوى على التخفيف من الوقع الصادم للواقع الذي بلغه لبنان في الشهر الأول من السنة الخامسة من عهده حتى لو لم يكن وحده مسؤولا عن الواقع الانهياري. فالواقع السيادي على أولويته الأساسية التي تبرز في هذه المناسبة الوطنية التي سيغيب عنها العرض العسكري التقليدي، كما سيغيب الاستقبال التقليدي في قصر بعبدا، يبدو مهمشا امام تصاعد الازمات المتناسلة في حين كاد اللبنانيون في يوميات الازمات من كورونا الى الازمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية، ينسون ان لبنان يرزح تحت وطأة استحقاق عالق مأزوم لتأليف حكومة جديدة أصيب مسارها تأليفها أيضا بالشلل التام. وإذ انكشفت مع الأيام الأخيرة المتاريس السياسية التي سقطت عملية تأليف الحكومة في ساحتها، تصاعدت المخاوف من ان تشكل مؤشرات الانسداد الداخلي مسببات جديدة لعزلة خارجية خانقة لن يحتملها لبنان وستودي به الى مصير اشد قتامة. هذه المخاوف تعززت في الساعات الأخيرة بمجموعة مؤشرات كان اشدها اثارة للصدمة انهاء شركة "الفاريز ومارسال" للتدقيق الجنائي اتفاقها مع وزارة المال اللبنانية للتدقيق في حسابات مصرف لبنان في ما يعتبر سحبا للثقة بالدولة اللبنانية ونهاية للتدقيق الجنائي.


ولعل هذه التطورات وفرت صدقية كبيرة للهجوم الجديد البالغ الحدة الذي شنه امس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على الدولة والسياسيين من دون استثناء امام مجموعات سيادية من الانتفاضة عشية ذكرى الاستقلال. وقد اعتبر الراعي ان "الدولة لا تبدو معنية الا بالتناحر على الحقائب والحصص وكأننا نعيش في عالم آخر". وقال "ألوم السياسيين لانهم بدل بناء الدولة يعملون على هدمها وهذا ما لن نقبله. فما هذا العمل السياسي؟ نحن نستنكره استنكارا شاملا وكاملا ولا نستثني أحدا. كلهم مسؤولون ولم يبد احد الاستعداد للتضحية بمصالحه في وقت طار كل البلد". وبلغ هجومه الذروة بقوله: "نهبتم الدولة وأمنتم اموالكم ولا تدركون ما هو الجوع والبطالة لانكم تقبضون من دون عمل فكيف سيقبل ذلك الشعب؟".


وليس بعيدا من هذا الموقف البطريركي عكس ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش تصاعد أجواء الادانة الدولية للتأخير الحاصل في تشكيل الحكومة وذلك عقب كشف كوبيتش عن اجتماع لمجموعة الدعم الدولية من اجل لبنان عقدته امس في بيروت دون إيضاح تفاصيله. وقال كوبيتش ان الاجتماع "بحث بقلق بالغ تفاقم الازمة المتشعبة في لبنان كما استنكر عدم إحراز تقدم في تشكيل الحكومة وعدم وجود إجراءات أكثر تصميما من قبل مؤسسات الدولة والمؤسسات المالية ". وأضاف بسؤال لاذع : " لم يبدو ان الأجانب يهتمون بعافية ومصير لبنان وشعبه وأنهم قلقون لغياب الإجراءات والمماطلة اكثر من النخب السياسية في البلد؟".


صدمة الانسحاب


في غضون ذلك شكل انسحاب شركة "الفاريز ومارسال" من الاتفاق الموقع مع وزارة المال للتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان صدمة مفاجئة بعدما كان اتفق بين الشركة ووزارة المال على تمديد مهلة تسليم المستندات والوثائق المطلوبة من مصرف لبنان لفترة ثلاثة اشهر وهو امر عدته أوساط معنية بانه مؤشر فضائحي جديد على انهيار الثقة الخارجية الديبلوماسية والمالية بالدولة أيا تكن تبريرات الدولة لما حصل. وكان عقد إجتماع في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية وحضور وزير المال في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني والوزير السابق سليم جريصاتي، أعلم وزني خلاله الرئيس عون أنه تلقى كتاباً من شركة "ألفاريز ومارسال" بإنهاء الاتفاق بالنظر "لعدم حصول الشركة على المعلومات والمستندات المطلوبة للمباشرة بتنفيذ مهمتها، وعدم تيقنها من التوصل إلى هكذا معلومات حتى ولو أعطيت لها فترة ثلاثة أشهر إضافية لتسليم المستندات المطلوبة للتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان". وقالت مصادر مصرفية متابعة للملف ان مصرف لبنان سلم كل حسابات البنك المركزي الى شركة التدقيق كما انه طلب من الادارات والوزارات، وبموجب كتاب موجه الى وزير المال، السماح برفع السرية المصرفية عن حساباتها، ولتاريخه لم يأت الرد من أي من الوزارات او الادارات على طلب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. وإعتبرت المصادر انه ولو كانت نية ألفاريز ومارسال الحقيقية هي إنجاز مهمتها بالطريقة الصحيحة لكانت وقعت العقد مباشرة مع مصرف لبنان الذي يتمتع بإستقلالية يصونها قانون النقد والتسليف، كما ان العقد الموقع مع الشركة نص على أن عملها سيكون ضمن القوانين اللبنانية المرعية الاجراء وقد سبق ان اكدت من خلال مضمون العقود انها قادرة على العمل ضمن هذه القوانين وإنجاز مهمتها، لتعود وتبرر إنسحابها من العقد بعد الحصول على المعلومات والبيانات اللازمة نتيجة القيود والقوانين اللبنانية. وعلم ان اتصالات أجريت لعقد اجتماع مع ممثل الشركة لكنها لم تحسم بعد علما ان الاجتماع كان سيضم رئيس الجمهورية ورئيس حكومة تصريف الاعمال ووزير المال والوزير السابق جريصاتي وممثل الشركة. والهدف من الاجتماع الذي سعى الرئيس عون الى عقده محاولة اقناع الشركة بعدم الخروج من الاتفاق. ولاحقا دارت الاسئلة عن ملكية المستندات التي حصلت عليها الشركة وحقوق التصرف بها.


إسرائيل والمفاوضات


ولم تقف سلسلة المفاجآت عند انسحاب شركة التدقيق بل اتسعت لتشمل تهديدا إسرائيليا باحتمال توقف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل علما ان هذا التطور بدا استكمالا للمعطيات التي رافقت جولة الناقورة الأخيرة حول تصاعد الهوة بين الفريقين المفاوضين اللبناني والإسرائيلي حول المساحة التي تعود للبنان. واتهم وزير الطاقة الإسرائيلي يوفان شتاينتس امس لبنان بانه بدل مواقفه سبع مرات في شان ترسيم الحدود البحرية بين البلدين محذرا من "احتمال ان تصل المحادثات الى طريق مسدود وعرقلة مشاريع التنقيب عن محروقات في عرض البحر" . وإذ دعا الى "التزام مبدأ الاستقرار وتسوية الخلاف على أساس ما اودعته إسرائيل ولبنان لدى الأمم المتحدة " حذر من ان "أي انحراف عن ذلك سيؤدي الى طريق مسدود ".


ورد مكتب الاعلام في رئاسة الجمهورية على وزير الطاقة الإسرائيلي نافيا المزاعم التي اطلقها عن تبديل مواقف لبنان واكد ان موقف لبنان ثابت في ما خَص المفاوضات غير المباشرة في موضوع الترسيم البحري وفقا للتوجهات التي أعطاها رئيس الجمهورية الى الوفد اللبناني المفاوض لا سيما لجهة ممارسة حقه السيادي .

• وكتبت "الاخبار" تقول:رغم كل الضربات التي تلقّاها التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، إلا أن مجرد وجود احتمال لإقرار قانون يلزم رياض سلامة التعاون مع شركة التدقيق لم يُرح حماة حاكم مصرف لبنان. لذلك، كان لا بد من ضربة قاضية، أتت أمس من «ألفاريز
، التي أعلنت، بشكل مفاجئ، إنهاء العقد، بعدما سبق أن وافقت على تمديده ثلاثة أشهر. وبالنظر إلى حجم العراقيل التي وضعت في طريق إقرار العقد في السابق، فإن وجود حكومة تصريف أعمال أو حكومة مكتملة الصلاحية، لكن برئاسة سعد الحريري، سيعني أن العراقيل ستتضاعف وأن الأمل بفتح كوّة في جدار الفساد سيبقى متعذّراً. مجدداً، يؤكد سلامة انتصاره بعد تحايله على القوانين وتستّره بها. خلفه تسير قافلة من المنتفعين وسارقي المال العام، الذين لا يمكنهم التضحية به كي لا يصل الدور إليهم.


القلّة التي كانت تتمسك بأمل الوصول إلى أي خرق في نظام الفساد من خلال التدقيق الجنائي، منيت بخيبة إضافية أمس. المنظومة التي أوصلت البلد إلى الانهيار، ورياض سلامة عمودها الفقري، عصيّة على الكسر. تجربة التدقيق الجنائي أعادت تأكيد المؤكد. أما فرضية أن الانهيار والفقر ووجع الناس ستجعل العصابة تلين، فتلك أثبتت فشلها أيضاً.
بعدما استخف سلامة بقرار الحكومة التعاقد مع شركة «ألفاريز أند مارسال
، وأحبطه عبر رفضه التعاون مع الشركة، سرت محاولات خجولة لإبقاء التدقيق الجنائي على قيد الحياة. بعد انتهاء المهلة المحدّدة لتسلّم المستندات كان يمكن لــ«ألفاريز
أن تنسحب، لكنها وافقت على اقتراح تمديد المهلة ثلاثة أشهر جديدة. تلك الفترة اعتبرها البعض الفرصة الأخيرة لإنقاذ التدقيق، وبالتالي إنقاذ الفرصة الوحيدة المتاحة لمعرفة مصير أموال المودعين ومعرفة اللصوص الذين سرقوا مدخرات الناس. الخيارات كانت محدودة بعدما أشهر سلامة تمرّده على قرار رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، معتمداً على كتل سياسية وازنة داخل الحكومة وخارجها، في مقدمها تيار المستقبل وحركة أمل والحزب الاشتراكي. ولأنه تمسك بحجة أن السرية المصرفية والمهنية تمنعه من تسليم ما يزيد على 50 في المئة من المعلومات المطلوبة من الشركة، لم يكن أمام المصرّين على التدقيق الجنائي سوى اللجوء إلى قانون يلزمه التعاون مع أي مسعى للتدقيق. لكن الخطوة التي كانت منتظرة من تيار رئيس الجمهورية، تأخرت بشكل غير مبرر، فأتت من خصومه. إذ قام حزب القوات بخطوة لافتة أعلن فيها تقديم اقتراح قانون لتعليق العمل بقانون سرية المصارف لمدة سنة في كل ما يتعلق بعمليات التدقيق الجنائي. وبشكل لا لبس فيه، أكد النائب جورج عدوان رفض تذرّع سلامة بالسرية المصرفية لإخفاء الأرقام الحقيقية.


أمس، حتى تلك المحاولة تمكن سلامة من إحباطها. كالضربة القاضية، عند الساعة العاشرة صباحاً، وصل كتاب من «ألفاريز إلى وزارة المالية تعلن فيه إنهاء الاتفاقية الموقّعة مع الوزارة للتدقيق المحاسبي الجنائي بالنظر إلى «عدم حصول الشركة على المعلومات والمستندات المطلوبة للمباشرة بتنفيذ مهمتها، وعدم تيقّنها من التوصل الى هكذا معلومات حتى ولو أعطيت لها فترة ثلاثة أشهر إضافية لتسليم المستندات المطلوبة للتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان
.
بحسب المعلومات، لم يكن أحد في الوزارة على علم مسبق بمضمون هذا الكتاب. كما أنه ليس واضحاً لماذا قررت الشركة الافتراض مسبقاً أن فترة الثلاثة أشهر لن تغيّر شيئاً في قرار مصرف لبنان. اللافت أن انتظار الشركة ثلاثة أشهر إضافية لم يكن ليكبّدها أي تكاليف إضافية، بل على العكس كان سيُعزّز فُرصها لتنفيذ العقد، وبالتالي الحصول على 2,1 مليون دولار، بدلاً من الحصول على 150 ألف دولار، في حال إنهاء الاتفاقية «بسبب عدم قدرتها على اتخاذ قرار بدء العمل نتيجة لقصور إتاحة المعلومات
.
مصادر الوزارة كانت حريصة على التأكيد أنها لم تدفع للشركة أي ليرة حتى اليوم، انطلاقاً من أن العقد ينص على أن الدفعة الأولى والمقدّرة بـ 40 في المئة من قيمة العقد، يُفترض أن تسدد مع بدء مهلة العشرة أسابيع المخصصة لعمل الشركة.
اللافت أن المعنيين في وزارة المالية كانوا على تواصل شبه يومي مع ممثلي الشركة، من دون أن يتم إبلاغهم بأي توجّه لإنهاء العقد. كذلك، ترافقت هذه الخطوة مع تناقل معلومات عن وجود ممثل الشركة الأميركية في لبنان منذ بضعة أيام، من دون أن تعرف الغاية من هذه الزيارة التي تمّت بعيداً عن الأنظار، ولم تتضمّن لقاءً مع وزير المالية. تلك المعلومات المتداولة جعلت أكثر من طرف يتساءل عن ضغوط سياسية، خارجية وداخلية، دفعت الشركة إلى الانسحاب. إذ إن هذه الخطوة تعني عملياً عرقلة الخطوات التي كانت تحضّر لمواجهة تمرّد سلامة، والتي كان محورها المجلس النيابي. فبغضّ النظر عن فرضية تكتل داعمي سلامة من النواب لعرقلة إمرار القانون بحجة «مواجهة الأهداف السياسية التي تقف خلفه، إلا أن هكذا خطوة كانت لتفضح حزب المصرف أمام الناس، وبالتالي فإن احتمال إمرار القانون لم يكن معدوماً. لكن مع إسقاط عقد التدقيق، تصبح الأمور أكثر تعقيداً، وخاصة في ظل حكومة تصريف أعمال، غير قادرة على توقيع عقد جديد مع شركة جديدة. أما في حال تأليف حكومة جديدة، فمن البديهي الافتراض أن توقيع أي عقد مشابه سيكون شبه مستحيل، في ظل رئاسة الحكومة من قبل الشريك الأول لسلامة.


المسألة تعقدت إلى درجة لا يمكن التنبؤ بتداعياتها. لكن رئيس الجمهورية أوضح لوزير المالية الذي زاره أمس لإطلاعه على قرار «ألفاريز أن ذلك «يستوجب حتماً اتخاذ التدابير الملائمة التي تقتضيها مصلحة لبنان.


وفيما لم يتضح بعد ما هي التدابير التي يمكن أخذها، تردد أن الرئيس ميشال عون قد يطلب إعادة التفاوض مع الشركة لحثها على التراجع عن قرارها، وخاصة أن توقف التدقيق الجنائي يمكن أن يقود إلى تداعيات أكثر خطورة. فالتدقيق هو أحد شروط المبادرة الفرنسية، وهو كذلك من متطلبات صندوق النقد الدولي. وفي الحالتين إسقاط التدقيق في حسابات مصرف لبنان سيضع المساعدات الدولية المفترضة، بما فيها تلك المقرّة في مؤتمر سيدر، في مهب الريح.


الرئيس حسان دياب كان الأكثر وضوحاً في تعبيره عن الأزمة التي وصل إليها البلد. وهو قال في تغريدة أمس: «جدار الفساد سميك جداً ومرتفع جداً أمام الإصلاح. سنبقى نحاول حتى نهدم هذا الجدار الذي يصادر آمال اللبنانيين بدولة تنتصر على الفساد. نحن نعلم أن منظومة الفساد لن تستسلم بسهولة، ونعلم أن هذه المنظومة ستقاتل بشراسة لحماية نفسها، لكنني على يقين أن هذه المنظومة ستسقط في النهاية. اليوم أحبطوا التدقيق الجنائي. ربح الفساد جولة جديدة. لن نستسلم لليأس. لا بد أن تنتصر إرادة اللبنانيين


• وكتبت "الجمهورية" تقول:يحلُّ عيد الاستقلال هذا العام، والوطن حزين، كيانه مهدّد ومصيره في مهبّ الاحتمالات العاصفة، والدولة هيكل متفسّخ، وأركانها متآكلة وفي ذروة الاهتراء وتتأهّب للتداعي في أيّ لحظة.


يحلّ الاستقلال في ذكراه السابعة والسبعين، والفرحة مسروقة من وجوه الناس، لا أثر لها في وطن مُحتلّ بـ"وصايات" أسوأ من احتلالات الجيوش والأعداء؛ وصاية سياسات عرجاء أفقرته، وصاية ذهنيات قابضة عليه بأهوائها وأنانياتها وانقساماتها، وتقيّده بأغلال الطائفيّة والمذهبيّة والمناطقيّة، وصاية عقليات مظلمة تحرمه من الضوء وتعتّم بسوادها كل طريق مؤدٍ الى النور، وصاية سلطة بائسة، لا ترى في الوطن سوى عروشها ومصالحها، ألقَت بكل اللبنانيين في جلجلة البؤس والجوع والاكتئاب، وحرمتهم من الاحتفال بهذا العيد وتَنشّق المعنويات من رمزيته الوطنية والتاريخية، حتى النشيد الوطني صار يتيماً؛ فلطالما كان اللبنانيون يشعرون بالعزّة وهم يردّدون "كلّنا للوطن"، وها هو لسان حالهم اليوم يصرخ بأعلى الصوت وبلا تردّد وبكل غضب، في وجه تلك الوصايات التي أفقدت العيد معناه: "كلّهم على الوطن"!


فلتان الدولار
يحلّ العيد غداً، ويطوي في اليوم نفسه الشهر الأول من تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل حكومة قيل إنّها قد تحمل معها بداية انفراج، لكنها ما زالت أسيرة التناقضات وتصادم المزاجيات.
والموقف اللافت لرئيس مجلس النواب نبيه بري الذي قال فيه: "بدأ الاستقلال بحكومة، فأين نحن؟"، يلخّص واقع التأليف وأفقه المسدود، الذي يُنذر بفترة طويلة من التعطيل تتجاوز السنة الحالية، وتضع لبنان أمام انهيارات إضافية، لعلّ أخطرها ما بدأ يظهر في سوق الدولار بالتلاعب به، وما يرافق ذلك من مخاوف من وجود توجّهات شيطانية لمحاولة رَفعه الى مستويات خيالية.


الداخل والخارج!
وبحسب مصادر موثوقة، فإنّ عقدة التأليف كامنة في موضعين:
الأول، داخلي، مرتبط بحصّة رئيس الجمهورية وفريقه في الحكومة، وكذلك كيفية تسمية الوزراء المسيحيين. فرئيس الجمهورية يرفض القبول بحصة محجّمة لا تتناسب وحجم تياره السياسي، وهو ما تبدّى من خلال ما عرض عليه في لقاءاته مع الرئيس المكلّف. ولا سيما اللقاء الاخير بينهما، الذي ظهر فيه انّ الحريري تراجع عن طرح سبق أن قدّمه لرئيس الجمهورية حول حصته (مع فريقه السياسي) في الحكومة.


في اللقاء الاخير طرح الحريري على رئيس الجمهورية 3 أسماء، فيما الرئيس المكلّف في بداية اللقاءات مع رئيس الجمهورية كان قد قدّم طرحاً، فُهم منه انّ حصة رئيس الدجمهورية وفريقه السياسي 5 وزراء، وأمّا الاربعة الأخرون، فوزّعهم الحريري كما يلي، وزير للأرمن، وزير لتيار "المردة"، وزير لـ"الحزب القومي"، ووزير يسمّيه الحريري. فجاء ردّ رئيس الجمهورية، بحسب المصادر، ما مفاده: لا علاقة لي بوزير "المردة"، وتستطيع ان تتفق عليه مع سليمان فرنجية، وامّا بالنسبة الى الوزير الأرمني فهو عندي، وبالنسبة الى وزير "الحزب القومي" فأنا أسمّيه، اما بالنسبة الى الوزير المسيحي الذي ستسمّيه، فنتفاهم معاً عليه". الّا انّ هذا الطرح عاد ونسفَ في اللقاء الاخير، بحيث جرى تقليص حصّة الرئيس، واقترنَ ذلك بإصرار الرئيس المكلّف على تسمية الوزراء المسحيين، وهو أمر يناقض معطيات لدى رئيس الجمهورية تفيد بأنّ تسمية وزراء سائر الفرقاء (الشيعة والدروز) جاءت من قِبَل مرجعياتهم السياسية. ومن هنا كان تأكيد رئيس الجمهورية على المعيار الموحّد، ودعوته الحريري الى ان يُعيد النظر ووضع صيغة حكومة بطريقة علمية وتحت معايير واحدة.


الموضع الثاني، مرتبط بعامل خارجي، حيث أكّدت المصادر الموثوقة أنّ ثمة "جهات خارجية" تؤدي دوراً خفياً في اتجاهين:


الأول: عدم الاستعجال في تشكيل الحكومة في انتظار جلاء صورة المنطقة، وكذلك جلاء الصورة الدولية، وما سيَرسو عليه المشهد الاميركي بعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الاميركية.


والثاني: محاولة تحديد شكل الحكومة قبل ولادتها، وتصرّ بشكل خاص على إبعاد "حزب الله" عن الشراكة فيها، لا مباشرة ولا عبر تسميته لوزراء فيها. وهذا الامر أحدثَ ارباكاً على خط التأليف، صَعّب على الرئيس المكلّف مهمّته.


واستوضَحت "الجمهورية" احد كبار المسؤولين المعنيين بملف التأليف، فرَجّحَ وجود العامل الخارجي المعطّل للحكومة، وقال: أصلاً لا وجود لحزبيين او سياسيين في الحكومة، كونها حكومة اختصاصيين لا حزبيين، لا علاقة لهم بسياسيين او بأحزاب. هناك، كما هو واضح، من يريدون إبعاد "حزب الله" عن الحكومة، مع أنه لا وجود لـ"حزب الله" او لغيره من المكونات السياسية في الحكومة، ومن سيسمّي الوزراء هو الرئيس المكلّف .
وتضيف الشخصية المذكورة: أمّا القول بأن يُصار الى تأخير الحكومة والانتظار الى ما بعد تَسلّم الادارة الاميركية الجديدة، فالفترة الفاصلة من اليوم وحتى ذلك الحين تبعد لنحو شهرين، ولبنان بالوضع المأساوي الذي هو فيه لن يستطيع الصمود حتى ذلك الوقت، فالدولار الآن قفز الى ما فوق الـ8 آلاف ليرة، والله أعلم الى أين سيقفز في حال استمر هذا التعطيل.


ساعدونا على جبران!
وعلمت "الجمهوريّة" انّ بعض المراجع الداخلية لا ترى ما يمنع ان يحصل اللقاء بين الحريري وباسيل، لكنّ الرئيس المكلّف أبلغ بعض المراجع بأنّه ليس في هذا الوارد. على انّ ما لفتَ الانتباه هو أنّ موقف الحريري هذا مؤيَّد من جهات خارجية، ويقال إنّ بعض هذه الجهات على صِلة بالعقوبات الاميركية التي فُرضت على باسيل. وبحسب المعلومات الموثوقة، فإنّ الموفد الرئاسي الفرنسي باتريك دوريل طلبَ صراحة من "حزب الله" أن يؤدي دوراً لتليين موقف باسيل وحَمله على تسهيل مهمة الحريري في تأليف الحكومة.
وتشير المعلومات الموثوقة الى "انّ جواب "الحزب" على الطلب الفرنسي جاء بما مفاده: "نحن في سبيل التسريع في تشكيل الحكومة، لسنا على استعداد فقط لكي نسعى مع باسيل، بل لكي نسعى أيضاً مع الحريري، مع الاشارة الى انّ الحريري لم يَحكِ معنا حتى الآن ولسنا على اطّلاع على ما يقوم به".


أضاف الجواب: إنّ طلبكم هذا يجعلنا نلفت الانتباه الى مسألة مهمة جداً، وهي انه اذا كان هناك أحد ما يعتقد انّ العقوبات التي فرضت على النائب باسيل قد أضعفته، او انها قد تضعفه، كما انّ الطروحات الضاغطة عليه في هذه الحالة ستجعله "يستَنمِر" أكثر ويتشدّد الى أبعد الحدود". وخَلص جواب الحزب للاشارة الى دور ضاغط على باسيل ومكمّل للعقوبات عليه تقوم به السفيرة الاميركية في لبنان".


وتؤكّد المعلومات الموثوقة "انّ الموفد الفرنسي حَضر الى بيروت بمهمة محدّدة، تعكس رغبة الايليزيه في تحييد مجموعة وزارات أساسية عن أيدي السياسيين، وفي مقدّمها وزارة الطاقة، وإخراجها من يد "التيار الوطني الحر" نهائياً، حتى انّ الجانب الفرنسي حضر حاملاً اسم شخصية موثوقة من باريس لتولّي وزارة الطاقة".


الانقاذ ممكن!
الى ذلك، عَبّر مسؤول كبير أمام بعض مستشاريه عن تخوّفه من انهيار اقتصادي ومالي كبير في فترة غير بعيدة، متحدثاً عن أرقام خيالية قد يبلغها سعر الدولار.
هذا الأمر أكّده مرجع مالي لـ"الجمهورية"، بقوله: إن لم تَتشكّل الحكومة سريعاً، فالبلد ذاهب حتماً الى الانهيار، ولن يقوى على الصمود حتى لبضعة اسابيع، فكل دقيقة تمرّ بلا حكومة، يصبح إنقاذ البلد أصعب وأكثر تعقيداً. وما يحتاجه البلد هو حكومة قادرة غير حكومة حسان دياب التي تسبّبت، بعشوائيّتها وانعدام خبرتها وعدم معرفتها ما تريد، بمزيدٍ من الاهتراء. ومع ذلك ما زالت تسعى الى تجفيف احتياطي مصرف لبنان، على الرغم من تصريحات كل وزرائها بفشل سياسة الدعم العشوائية التي اتّبعَتها.


المصرف المركزي
وفي هذا السياق، قال مصدر مسؤول في مصرف لبنان لـ"الجمهورية": انّ معالجة الوضع والنهوض بلبنان ما زالت ممكنة، وما نستطيع ان نؤكّد عليه هو انّ احتياطي مصرف لبنان لم يصل الى الحدّ الخطر، ولكن في حال وصوله الى هذا الحد الالزامي (17,5 مليار دولار) فسيكون مصرف لبنان مضطراً الى إجراء اعادة نظر في موضوع آلية الدعم".


ولفت المصدر الى انّ هناك ادارة في مصرف لبنان لديها النية في أن تكون هناك شفافية مُطلقة مع المواطن في الفترة المقبلة، ولديها النية في العمل الدؤوب لتجاوز صعوبات المرحلة بطرق مدروسة ومتأنية ترتدّ على الصالح العام، وما يزيد من إمكانات النجاح هو وجود حكومة داعمة تخرجه من أزمته.
ورداً على سؤال حول التدقيق الجنائي، قال المصدر: خلافاً لكلّ ما يُشاع ويُقال، فإن كلّ حسابات مصرف لبنان قد تمّ تسليمها الى "ألفاريز".


سقوط التدقيق الجنائي
الى ذلك، شكّل الاعلان عن قرار شركة "ألفاريز ومرسال" إلغاء عقد التدقيق الجنائي والانسحاب من بيروت الحدث الأبرز الذي تابَعه رئيس الجمهورية، بعدما أطلعه وزير المالية غازي وزني على تفاصيله.
وكانت وزارة المال قد تلقّت من الشركة كتاباً بإنهاء الاتفاقية الموقّعة للتدقيق المحاسبي الجنائي، بالنّظَر، وفق ما ورد في الكتاب المذكور، الى عدم حصول الشركة على المعلومات والمستندات المطلوبة للمباشرة بتنفيذ مهمتها، وعدم تيقّنها من التوَصّل الى هكذا معلومات حتى ولو أعطيت لها فترة 3 اشهر إضافية لتسليم المستندات المطلوبة للتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان.
وجاء قرار "ألفاريز ومرسال" بمثابة صفعة إضافية للمنظومة السياسية، عكست غياب الثقة بنيّات هذه المنظومة، إذ انّ التبرير الذي قدّمته الشركة يوحي بأنّها تراجعت عن موافقتها السابقة بإعطاء مهلة 3 اشهر إضافية، لأنّها باتت على قناعة بأنّ المنظومة السياسية لا تريد للتدقيق ان يصل الى خواتيمه. وبالتالي، شعر المسؤولون في الشركة انّهم سينتظرون طوال هذه المدة ولن يحصلوا في النتيجة على المعلومات، بما سيضعهم في موقف حَرج لجهة سمعتهم الدولية، وهذا الامر جعلهم يتخذون قرار التراجع عن اتفاق تمديد المهلة، واعلان إنهاء الاتفاقية.


وفي السياق، ذكرت مصادر متابعة لـ"الجمهورية" أنّ الشركة أجرت مراجعة للطريقة التي أُبرِمَ فيها الاتفاق، واعتبرت انّ السلطة لم تكن جادّة من الاساس في التدقيق، وإلّا لكانت عَدّلت القوانين المطلوبة قبل إبرام الاتفاقية معها، بما فيها قانون السرية المصرفية، وقانون النقد والتسليف، وخصوصاً في المادة 151 التي تحَظّر على ايّ موظف حالي وسابق في مصرف لبنان الادلاء بأيّ معلومات، وتنصّ على ما حرفيّته: "على كل شخص ينتمي او كان قد انتمى الى المصرف المركزي، بأية صفة كانت، أن يكتم السر المُنشَأ بقانون 3 ايلول سنة 1956. ويشمل هذا الموجب جميع المعلومات وجميع الوقائع التي تتعلق، ليس فقط بزبائن المصرف المركزي والمصارف والمؤسسات المالية، وإنما ايضاً بجميع المؤسسات المذكورة نفسها والتي يكون قد اطلع عليها بانتمائه الى المصرف المركزي". كما أنّ المواقف التي أعلنتها بعض الاطراف السياسية لجهة التحفّظ على أي اقتراح قانون يُقدّم لإلغاء أو تجميد قانون السرية المصرفية جعلها تدرك انها ستنتظر بلا طائل.


أضافت المصادر نفسها: من خلال تجارب سابقة، اتّضَح انّ القوى السياسية لا تريد إلغاء السرية المصرفية، ليس لأنّ هذا القانون يشكّل عامل قوة في جذب الاموال، لأنّ هذه الميزة سقطت مع بدء الانهيار، بل لحماية الفساد. ولو كانت المنظومة السياسية صادقة في البحث عن مكامن الفساد والارتكابات، لكانت أقرّت إلغاء قانون السرية المصرفية منذ اعلان الدولة التوقّف عن دفع اليوروبوندز. وسَبق للنائب ميشال ضاهر أن تقدّم باقتراح قانون معجل مكرر لإلغاء السرية المصرفية في آذار 2020، بالتزامن مع إعلان وقف دفع الدين الخارجي، لكنّ الاقتراح لم يمر.


الترسيم


من جهة ثانية، وفي تطور لافت للانتباه يؤشّر الى وعورة طريق مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، إتهمت اسرائيل لبنان بتغيير موقفه بشأن ترسيم الحدود البحرية، متحدثة عن احتمال أن تصل المحادثات الى "طريق مسدود" وعرقلة مشاريع التنقيب عن محروقات في عرض البحر.
وكتب وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس تغريدة على "تويتر": "لبنان غَيّر موقفه بشأن حدوده البحرية مع إسرائيل 7 مرات".
وأضاف أنّ "موقفه الحالي لا يتعارَض مع مواقفه السابقة فحسب، بل يتعارَض أيضاً مع موقف لبنان على الحدود البحرية مع سوريا التي تأخذ في الاعتبار الجزر اللبنانية القريبة من الحدود".
وتابع أنّ "من يريد الازدهار في منطقتنا ويسعى إلى تنمية الموارد الطبيعية بأمان، عليه أن يلتزم مبدأ الاستقرار وتسوية الخلاف على أساس ما أودَعَته إسرائيل ولبنان لدى الأمم المتحدة"، مؤكداً أنّ "أي انحراف عن ذلك سيؤدي إلى طريق مسدود وخيانة لتطلعات شعوب المنطقة".


ردّ عون
وردّت رئاسة الجمهورية على كلام وزير الطاقة الإسرائيلي عن انّ لبنان "بَدّل مواقفه في موضوع الحدود البحرية الجنوبية ? مرات"، حيث اعتبرت، في بيان للمكتب الاعلامي في رئاسة الجمهورية، انّ كلام الوزير الاسرائيلي "لا أساس له من الصحة، وموقف لبنان ثابت من موضوع الترسيم البحري للحدود الجنوبية وفقاً لتوجيهات الرئيس عون للوفد اللبناني المفاوض، لا سيما لجهة ممارسة لبنان حقه السيادي".


بومبيو
وكان موضوع ترسيم الحدود مدار بحث بين وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو ورئيس الوزراء الاسرئيلي بنيامين نتنياهو، حيث أعلن بومبيو انه عبر عن دعمنا للقرار المتّخَذ من قبل كل من حكومتي إسرائيل ولبنان لبدء مناقشات حول الحدود البحرية، والتي نعمل كوسيط ومُسَهّل لها. ونأمل أن يتم حل هذا النزاع الذي طالَ أمده، ويمكن للمفاوضات أن تؤدي إلى زيادة في الاستقرار والأمن والازدهار لكلّ من المواطنين الإسرائيليين والمواطنين في لبنان أيضاً.


قائد الجيش
وموضوع الحدود البحرية وعدم التفريط بها أكّد عليه قائد الجيش العماد جوزف عون في "أمر اليوم" للعسكريين بمناسبة الاستقلال"، حيث دعا العسكريين الى أن يكونوا "على يقظةٍ وجهوزية تامَّة في مواجهة أعداء لبنان"، مؤكدا ان لا تهاونَ مع العابثين بأمن الوطن واستقراره، ولا تساهلَ مع من يحاول المَسّ بالمصلحة الوطنية العليا، والعبث بالسِلم الاهلي".
وكان قائد الجيش، قد التقى امس، رئيس هيئة أركان الجيوش الفرنسية الجنرال فرنسوا لوكوانتر، وتم توقيع مذكرة تفاهم لتطوير قدرات الجيش اللبناني.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى