حكمة المرجع السيد السيستاني : ايران “مصباح مضيء”! (نظير جاهل)

كتب د. نظيرجاهل – الحوارنيوز

: قال المرجع السيد علي السيستاني عن إيران “ما دام هذا المصباح مضيئاً ستبقى الشموع الأخرى مضيئة، وكل صباح بعد الصلاة أُسلم على الإمام المهدي وأدعو لجميع المؤمنين ولإيران”.
ما ذا يعني المرجع بهذا البيان الجميل حين يصف إيران بالمصباح المضيء وما هي الشموع التي يقصدها؟
المرجع السيستاني هو نفسه كان قد انتقد في مناسبات مختلفة تلميحا النظام الايراني باعتباره “مماثلا للانظمة االمستبدة” فقال:
– إنّ الحكومة إنما تستمد شرعيتها، في غير النُظُم الإستبدادية وما ماثلها، من الشعب، وليس هناك من يمنحها الشرعية غيره، … (خطبة الجمعة 15-11-2019)
وقال: «ينبغي إقرار قانون جديد لمفوضية جديدة للانتخابات تكون حيادية وتحظى بالمصداقية دون تدخل خارجي لما لها من مخاطر تحول البلد لساحة لتصفية الحسابات يكون الخاسر الأكبر هو الشعب».16/9/2019
فهل انقلب المرجع السيستاني على نفسه وغيًر وجهته و”نسي” اقواله؟!
وكيف تتحوًل إيران التي تتعامل مع العراق ، وقياسا مع لبنان، كساحة لتصفية الحسابات، من نظام سلطوي يتقاسم النفوذ في باطن حقل الخيانة الاميركية … الى مصباح مضيء ، وكيف باتت ساحات النفوذ وقتها الملحقة تضيء كشموع وليس كمرايا مهشمة.
بالتأكيد لا.. لم يبدّل المرجع مرجعيته الفقهية للحكم على مجريات الواقع واطوار تبدل حقل الصراع .
فالفقه السياسي علم كاشف يجعل الفقيه شاهدا على الاحداث يواكب المناضلين المنتفضين والمقاومين المجاهدين لمواجهة الطغيان في الداخل وكسر قيود الهيمنة من الخارج… معيناً في كل مرحلة خصوصية مهام التحرر وسيلة مقاومة الطغيان .
لا يرسم الفقه السياسي الاسلامي الشيعي بالاصل حدوداً بين مدارس عقائدية دوغمائية ،وان كانت هذه الحدود الانغلاقية ترتسم عرضا لتدفع المذهب نحو الجمود والانزواء ….
ان ما يقوم به المرجع من خلال كسر هذا الجمود انما مواكبة نهوض إيران ودعمها في كسر الهيمنة وتحرير الأمة.
نحن هنا امام منهج توحيدي يشبه ما يعبّر عنه “كانط” بالنقد او ب “ملكة الحكم” التي ترفض العقائد الدوغمائية والمدارس الفكرية الفلسفية المغلقة.
لا شيء يسمح بالاستنتاج انطلاقاً من نقد السيستاني لما “يماثل الاستبداد” بانه يعني ولاية الفقيه العامة، وان هذه الولاية تقود حكماً لممارسة استبدادية متأصلة بمبناها.
لا شيء في الفقه السياسي الاسلامي الشيعي يضفي شرعية على الخطاب الذي “يُسستم” الاختلاف الفقهي النظري حول ولاية الفقيه ليطمس طبيعة الصراع بين أميركا الصهيونية واسرئيل الكبرى، وبين إيران الجماعة الشعبية، ايران الجمورية الاسلامية التي تضيء وجهة تحرير الأمة.. الأمة كحركة دينامية تنيرها وتدفعها شموع المقاومة في فلسطين واليمن ولبنان.
تكثّف اشارة المرجع في هذه اللحظة وجهة الفقه السياسي التي تلحظ خصوصية لحظة الصراع بنظرة جامعة توفر منهجية رشيدة لاسترجاع مواقف الفقهاء الافاضل من امثال السيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، استرجاعها لمدارك نصوصهم بدل تحويلها الى افكار جامدة و”سستمة” الفقه في مدارس متنابذة تحجب الوجه الايجابي المضيء للمقاومة، وتسمح بتجريمها وتبرير او تحييد او حجب تواطؤ بعض القوى المحلية وتعاونها مع العدو.
من “إيران النظام المستبد” الى “إيران المصباح المضيء” .. هكذا يثبت الفقيه ان مقولات الفقه السياسي لا تدرك كمقولات مفارقة في نظام دوغمائي متنافر، مغلق ..
هكذا يلتقط الفقيه الفرز العميق للقوى الذي بدأ بزلزال طوفان الاقصى ونقل المنطقة من معادلات الحروب الأهلية وتقاسم النفوذ في باطن حقل الهيمنة الأميركية، الى مواجهة اسرائيل الكبرى وكسر شوكة أميركا الصهيونية في مضيق هرمز وباب المندب…
نعم ما يستنتج من رؤية المرجع التي تلحظ تبدل الحقل السياسي بالغ الدلالة: لا يمكن فهم مرحلة ما بعد الحرب بادوات تحليلية انتجت ما قبلها .
لا يمكن تحويل حقل الفقه السياسي الى حقل متنافر دون العبث بمقولاته وتزييف الوقائع وطمس وجهة الصراع باستعارة مداخلات فقهية صيغت في ظروف لم تعد قائمة.
فلا يمكن ترجيح ما ستكون عليه مواقف السيد الصدرالمغيب والشيخ شمس الدين رحمة الله عليه، من الاحداث الحالية دون الاخذ بالاعتبار اضاءات المرجع السيستاني الراهنة..
اذ العبرة ليست للمواقف المختلفة التي يمليها تبدل الظروف، بل لملكة الحُكم التي تجمع الفقهاء في وجهة واحدة تهدف الى تحرر الامة.



