إستثمار و أسواقإقتصاد

تعقيدات كثيرة تواجه تحديد سعر الدولار الجمركي(عماد عكوش)

 

د. عماد عكوش – الحوار نيوز

ما زال لبنان يعتمد سعر الصرف الرسمي الذي تم تحديده من قبل مصرف لبنان سابقا، وتم تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار على أساسه لغاية اليوم وهو سعر 1507.50 ليرة لبنانية مقابل الدولار الأميركي.

 أدى هذا الأمر الى دعم الليرة منذ أكثر من عشرين عاما حيث ان القيمة الحقيقية لليرة اللبنانية ونتيجة لتراكم الدين العام ، ونتيجة لتراكم عجز الميزان التجاري ، ونتيجة لتراكم عجز ميزان المدفوعات ، نتيجة لكل هذه العوامل كان لا بد من أعادة تصحيح سعر صرف الليرة، ولكن لم يتم اتخاذ هذا القرار بل استمر مصرف لبنان على سياسة تثبيت سعر الصرف الرسمي لغاية اليوم وهذا أدى الى خسائر كبيرة في الاقتصاد وفي احتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة ، إضافة الى فقدان الفرصة في تصحيح الاقتصاد لنفسه بعد تضخم حجم كلفة القطاع العام من أجمالي الناتج القومي ومن الموازنات ، خاصة بعد اقرار سلسلة الرتب والرواتب .

اليوم يكثر الحديث عن الدولار الجمركي وخاصة عندما يتم مناقشة موازنة العام 2022 أو الحديث عنها ، وقد ربط العديد من المسؤولين ما بين زيادة رواتب القطاع العام وأقرار الدولار الجمركي ، لكن لغاية اليوم لم يتم الاتفاق على سعر محدد لهذا الدولار وكيف سيتم تطبيقه ، وكيف سيصدر ، هل عبر مرسوم خاص أو من ضمن الموازنة ، او من خلال خطة التعافي والتي طال انتظارها ؟

الدولار الجمركي وفقا لوصفه هو سعر الدولار الذي يتم على أساسه تقييم فواتير الاستيراد القادمة الى لبنان عبر البوابات المرفئية، سواء عبر البر ، البحر، أو الجو ، وبالتالي يتم احتساب الرسوم الجمركية على أساس السعر بعد التقييم على أساس سعر هذا الدولار، وليس على أساس سعر الصرف الرسمي ، ما سيؤدي حتما الى زيادة الواردات وفقا لحجم الزيادة في سعر صرف الدولار، مع الاخذ بالحسبان طبعا مفاعيل هذه الزيادة على حجم الاستهلاك لجهة انخفاض حجم الاستهلاك بعد رفع الاسعار .

بخصوص سعر صرف الدولار الرسمي، نصّت المادة 18 من المرسوم الرقم 7308 تاريخ 28 كانون الثاني 2002 والمتعلق بأساس فرض الضريبة على القيمة المضافة على الآتي: «في حال كان ثمن الخدمة أو المال محدداً بعملة أجنبية ، ومن أجل احتساب أساس فرض الضريبة ، على الخاضع للضريبة أن يحول هذا المبلغ إلى الليرة اللبنانية وفقاً لسعر الصرف الرسمي المعتمد بتاريخ إتمام عملية تسليم المال أو تقديم الخدمة». وهكذا يُفهم من هذا النص وجود سعر صرف رسمي يتوجب اعتماده من أجل احتساب الضريبة واستيفائها بالعملة اللبنانية.

وفقا لقانون النقد والتسليف الباب الأول – النقد المادة الثانية ” يحدد القانون قيمة الليرة اللبنانية بالذهب الخالص ” ، لكن لم يصدر قانون يحدد قيمة الليرة اللبنانية بوزن ثابت من الذهب ، وقد أصبح الأمر في منتهى الصعوبة الآن بسبب تطور النظام النقدي العالمي، وصدرت لاحقا عدة قرارات من مجلس الوزراء وفي عدة مناسبات لتحديد سعر الصرف الرسمي، لكن هذا الامر استمر فقط لغاية العام 1979 .وبعد هذا العام لم يصدر أي قرار سواء عن مجلس الوزراء أو مجلس النواب بأي سعر رسمي للدولار .  حتّى عام 1982 ، بقي سعر الدولار أقل من 5 ليرات ، ولكن اعتباراً من عام 1983 بدأت سلسلة من الموجات التضخّمية والمضاربات على سعر الليرة ، فارتفع سعر الدولار من 5.50 ليرات إلى 2850 ليرة في آب/ أغسطس عام 1992 ، أي أنه ارتفع 518 مرّة في أقل من 10 سنوات .

 

مّ تثبيت سعر صرف الليرة الإسمي إزاء الدولار الأميركي اعتباراً من أواخر عام 1998 ، ومنذ ذلك الحين بقي السعر الرسمي الوسطي مُحدّداً بـ1507.50 ليرة من دون أي تغيير .  لذلك اليوم من السهولة الطعن في أي سعر يعتمده مصرف لبنان على اعتبار ان كل الأسعار المعتمدة اليوم لم يصدر بها  قانون ولا مرسوم أو حتى قرار من وزير المالية .

لكن الملفت اليوم انه يتم الحديث عن سعر دولار جمركي وليس سعر صرف رسمي لليرة اللبنانية مقابل الدولار الاميركي ، فهل أصدار قرار ، قانون ، أو مرسوم بتعديل الدولار الجمركي وفقا لنفس الصفة سيتم تطبيقه على باقي المعاملات الرسمية، ولا سيما الضريبة على القيمة المضافة ، التخمينات العقارية ، رسم الطابع المالي على العقود التي موضوعها او قيمتها بالعملات الصعبة . كل هذه التساؤلات اليوم هي تساؤلات مشروعة حتى لا نقع لاحقا في أمكانية الطعن في هذه القرارات .

من جهة أخرى ماذا عن تعاميم مصرف لبنان وكيفية تسديد الودائع ، لأن صدور قرار بتحديد سعر الصرف سواء الجمركي او الرسمي ستكون له مفاعيله على كل التعاميم والسحوبات من الحسابات بالعملات الصعبة ،حيث سيلزم هذا القرار دفع الودائع وفقا لقانون الموجبات والعقود بالسعر الرسمي بالحد الادنى ، وهذا سينعكس على حجم الكتلة النقدية في السوق وبشكل كبير .

نحن ننتظر القرار الذي سيصدر عن الحكومة بهذا الخصوص ، فهل سيتم تحديد سعر الدولار الجمركي ويكون في الوقت نفسه سعر الصرف الرسمي ، أم سيتم الفصل ما بين سعر الدولار الجمركي والسعر الرسمي ، علما ان من حدد سابقا سعر الصرف الرسمي( 1507.50 ليرة للدولار) هو مصرف لبنان، ولم يصدر أي قرار أو قانون يحدد هذا السعر، وبالتالي هل سيترك لمصرف لبنان تحديد سعر الصرف الرسمي على أساس ان لبنان في الاساس يعتمد سعر الصرف العائم، وان السوق الحرة هي من يحدد هذا السعر ، ولاحقا مصرف لبنان خالف هذا التعويم بتثبيته والوصول بنا الى هذه الحالة من التضخم . هذا التضخم الكبير والهدر الكبير كان يمكن تفادي اكثر من تسعين بالمئة منه لو قام مصرف لبنان بتعويم سعر الصرف منذ البداية وبشكل تدريجي، لامتصاص حجم النفقات الضخمة في القطاع العام الناتج عن زيادة الرواتب وزيادة عدد العاملين من جهة ، وتزايد الدين العام من جهة أخرى .

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى